بعد أكثر من عامين على واحدة من أعنف الكوارث الطبيعية التي شهدها المغرب الحديث، يكشف تحقيق صحفي أن آلاف ضحايا زلزال الحوز ما يزالون يعيشون في الخيام والمعاناة، بينما بقيت مليارات الدراهم المخصصة لإعادة الإعمار حبيسة البيروقراطية وسوء التسيير، في مشهد يلخص فجوة صارخة بين خطاب الدولة وواقع المنكوبين.
التحقيق الذي نشره موقع رصيف22 يرسم صورة قاتمة لمسار التعويضات وإعادة البناء بعد زلزال 8 سبتمبر 2023، الذي بلغت قوته 6.8 درجات وخلف نحو ثلاثة آلاف قتيل وأكثر من خمسة آلاف جريح، مبرزاً أن الكارثة لم تتحول إلى ورشات إنصاف اجتماعي كما وعدت سلطات المخزن، بل إلى نموذج جديد لاختلالات إدارة الأزمات في مغرب المخزن.
أموال طائلة.. وأثر محدود
وفق المعطيات، جُمِع أكثر من 23 مليار درهم في صندوق إعادة الإعمار، لكن ما صُرف فعلياً إلى غاية أكتوبر 2025 لم يتجاوز 15.5 مليار درهم، أي أن نحو 7.6 مليارات بقيت غير مستخدمة بعد مرور عامين وأربعة أشهر على الكارثة.
والأخطر أن التعويضات المباشرة للأسر لم تتجاوز أربعة مليارات درهم فقط، أي أقل من خمس الموارد، بينما وُجه الجزء الأكبر إلى نفقات تشغيلية ومشاريع موازية.
هذا التفاوت بين حجم الموارد وضعف الأثر الميداني يطرح سؤالاً جوهرياً حول أولويات الدولة: هل كان الهدف إنصاف الضحايا أم إدارة الصورة؟
سبعة من كل عشرة.. دعم منقوص
أحد أكثر الاستنتاجات صدمة في التحقيق يتعلق بإعادة الإعمار السكني.
فمن أصل نحو 20 ألف منزل انهار كلياً، صُنِّف أكثر من 13 ألفاً كـ«هدم جزئي»، ما حرم أصحابها من التعويض الكامل.
وبلغة الأرقام: قرابة 70% من المنازل المدمرة كلياً حصلت على دعم جزئي لا يغطي حجم الخسارة.
هذه المعطيات تعني عملياً أن غالبية الأسر التي فقدت مساكنها لم يُعترف حتى رسمياً بحجم الضرر الذي لحق بها، وهو ما يفسر استمرار آلاف العائلات في المساكن المؤقتة إلى اليوم.
ضحايا خارج منظومة الدعم
يقدّر التحقيق عدد المتضررين بأكثر من 2.6 مليون نسمة موزعين على نحو ثلاثة آلاف دوار جبلي، ضمن 578 ألف أسرة تقريباً.
لكن عدد الأسر التي استفادت من الدعم الشهري لم يتجاوز 63,766 أسرة، أي نسبة محدودة جداً مقارنة بحجم المتضررين.
وتزداد الصورة قتامة مع توثيق حالات إقصاء بسبب تعقيدات إدارية مثل «الورثة» أو «عدم الإقامة»، مقابل شكاوى من استفادات غير مستحقة، ما يعكس اختلالاً مزدوجاً: حرمان مستحقين ومنح غير مستحقين.
هشاشة بنيوية تتفاقم
لا يتعلق الأمر فقط بتعويضات متأخرة، بل ببنية تهميش عميقة.
فـ93% من سكان المناطق المتضررة يعيشون في الوسط القروي، ومعدل الأمية يتجاوز 41% ويصل إلى أكثر من 50% في عشرات الجماعات، مع فقر متعدد الأبعاد يقارب 18.5% وهشاشة تتجاوز 21%.
هذه المؤشرات تعني أن زلزال الحوز لم يضرب فقط جبال الأطلس، بل ضرب مجتمعات تعيش أصلاً على هامش التنمية، ما كان يستوجب استجابة استثنائية.
لكن الواقع – كما يكشف التحقيق – كان استجابة بطيئة ومجزأة.
وكالة الإعمار.. تأخر منذ البداية
يشير التحقيق إلى أن «وكالة تنمية الأطلس الكبير» أُنشئت بشكل استعجالي بعد الكارثة، لكنها لم تعقد أول اجتماع لمجلس توجيهها إلا في ديسمبر 2024، أي بعد أكثر من عام على الزلزال، وهو تأخر يتناقض مع خطاب الطوارئ الذي رافق تأسيسها.
كما يلفت إلى أن مديرها الحالي سبق أن أشرف على «صندوق تنمية العالم القروي» الذي اعتبرته تقارير رسمية مشروعاً محدود الأثر، ما يعزز الشكوك حول إعادة تدوير نفس النخب الإدارية في إدارة ملف الإعمار.
صمت سياسي مريب
يكشف التحقيق أيضاً ضعف الرقابة البرلمانية بشكل لافت.
فعدد الأسئلة البرلمانية المرتبطة بزلزال الحوز لم يتجاوز 59 سؤالاً من أصل أكثر من 24,800 سؤال خلال الولاية، أي أقل من نصف بالمئة، وهو رقم ضئيل قياساً بأكبر كارثة طبيعية في تاريخ المغرب المعاصر.
هذا الصمت المؤسسي يعكس – بحسب مراقبين – طبيعة النظام السياسي حيث تدار الكوارث الكبرى مركزياً داخل دائرة القرار المخزني، مع هامش محدود للمساءلة الديمقراطية.
الكارثة التي عرّت النموذج
تكشف معطيات زلزال الحوز مفارقة صارخة في نموذج الحكم بالمغرب:
قدرة عالية على تعبئة الموارد والوعود والخطاب التضامني، مقابل عجز بنيوي عن تحويل الأموال إلى إنصاف فعلي على الأرض.
فبعد عامين، ما تزال آلاف الأسر في الخيام، وسبعة من كل عشرة منازل مدمرة لم تُعوض بالكامل، ومليارات الدراهم لم تصل إلى أصحابها.
وهو واقع يجعل من زلزال الحوز ليس فقط كارثة طبيعية، بل اختباراً سياسياً فشل فيه نموذج تسيير المخزن للتنمية والأزمات.
إنها مأساة لا تختزل في قوة الهزة الأرضية، بل في قوة التفاوت بين الدولة والمجال المنكوب:
مغرب رسمي يعلن الإعمار، ومغرب جبلي ما يزال ينتظر أن يبدأ.
