راهنت واشنطن وتل أبيب على أن يؤدي اغتيال المرشد الأعلى الإيراني، الإمام علي خامنئي، إلى خلق فراغ سياسي وديني في إيران، وأن دعوة المواطنين إلى الخروج إلى الشوارع سيكون بمثابة ورقة رابحة لإضعاف النظام وإحداث شرخ اجتماعي يمكّن القوى الاستكبارية من إعادة رسم موازين القوى في المنطقة. لكن هذه الرهانات، كما كشفت الوقائع منذ اللحظة الأولى، لم تكن سوى أوهام تصدّعت أمام صخرة إرادة الشعب الإيراني ووحدته الوطنية الراسخة.
لقد استشهد الإمام علي خامنئي في عملية اغتيال جبانة، في لحظة أرادت فيها القوى الاستكبارية إضعاف إرادة الشعب، بينما كان وسيضل القائد رمزًا للثبات والمقاومة، وعمادًا للسياسة الوطنية المستقلة، ومثالًا حيًا على التضحية في سبيل فلسطين وكل شعوب المنطقة التي تواجه الاحتلال والصلف الاستكباري. فقد كرّس الإمام حياته للدفاع عن قضايا الأمة، ولتقديم نموذج مقاوم متجدد ضد مشاريع الهيمنة الأمريكية والصهيونية، مؤكّدًا أن الكرامة الوطنية والمقاومة هي الطريق الحقيقي لسيادة الأمة واستقلال قرارها.
وكان من بين المبررات التي ساقها المتوحش ترامب وحلفاؤه لشن الغارات العسكرية، الادعاء بأن شعار «الموت لأمريكا – الموت لإسرائيل»، الذي ظل يتردد على مدى 47 سنة، يشكّل نقطة ضعف يمكن استغلالها لإحداث شرخ داخلي وإضعاف الشعب الإيراني. لكن النتائج كانت معاكسة تمامًا لكل هذه التوقعات: خرج ملايين الإيرانيين في طهران وأصفهان ومشهد ومدينة قم وغيرهم، يرفعون الأعلام السوداء، مرددين شعارات مناهضة للولايات المتحدة والكيان الصهيوني، متحدين الرهانات الاستكبارية، ومجددين العهد مع خيار المقاومة والصمود، في مشهد حي يُعبّر عن الوفاء للإمام الشهيد ويؤكد أن استشهاده لم يكن نهاية، بل بداية لحقبة جديدة من العزيمة الوطنية والإصرار على استمرار النهج المقاوم.
وفي خطوة استراتيجية لاحتواء أي فراغ سياسي وديني، أعلن النظام الإيراني فورًا تشكيل قيادة مؤقتة ثلاثية لإدارة المرحلة الانتقالية، بما يعكس قدرة المؤسسات الوطنية على الصمود، والحفاظ على التماسك الاجتماعي والسياسي رغم كل محاولات الخارج لإحداث الفوضى والانقسام.
إن هذا المشهد التاريخي يُظهر سقوط رهان تهاوي النظام الإيراني أمام إرادة شعب متحد، ويفضح فشل المشاريع الاستكبارية التي راهنت على الفرقة والهزيمة. فقد أظهر الإيرانيون، من خلال خروجهم حدادًا على استشهاد الإمام، أنهم ليسوا شعبًا يُقهر بالاغتيالات، بل شعب يصون إرث قادته، ويواصل مسيرة المقاومة، ويحيي القيم التي أمّنها لهم الإمام علي خامنئي.
كما يجدر بالذكر أن استشهاد الإمام لا يُستشاهد فقط على المستوى الداخلي، بل يحمل رسالة قوية لكل شعوب المنطقة، وخاصة الفلسطينيين، بأن طريق الحرية والمقاومة قائم رغم كل محاولات الاغتيال والتضليل، وأن التضحية في مواجهة الاستكبار ليست نهاية، بل سبيل لتجديد العزيمة وصون الحق المشروع لكل الشعوب المقهورة.
إن سقوط رهان تهاوي النظام الإيراني ليس مجرد حدث سياسي، بل درس تاريخي يذكّر العالم أن الأمة التي تصون قادتها، وتحافظ على إرثهم المقاوم، تظل قوة صلبة لا تهزها المؤامرات، وأن دماء الشهداء مثل الإمام علي خامنئي هي وقود للاستمرار في مسيرة الحرية والكرامة، وأن إرادة الشعوب وثباتها هي القوة الحقيقية التي لا تُقهر أمام أطماع الخارج وغطرسة القوى الكبرى.
