الأحد 22 فيفري 2026

شحنة ضخمة من أمعاء الخنازير الروسية إلى المغرب.. سلطات المخزن تصدم المجتمع المغربي المتديّن

نُشر في:
شحنة ضخمة من أمعاء الخنازير الروسية إلى المغرب.. سلطات المخزن تصدم المجتمع المغربي المتديّن

في سابقة تثير الكثير من التساؤلات داخل الأوساط الاقتصادية والاجتماعية بالمغرب، وصلت أول شحنة ضخمة من أمعاء الخنازير قادمة من روسيا، بوزن تجاوز 22 طناً، في خطوة وصفتها موسكو بأنها اختراق جديد لمنتجاتها الحيوانية نحو السوق المغربية. غير أن هذه العملية، رغم تغليفها بخطاب تجاري وتقني، كشفت مجدداً هشاشة التوازن بين متطلبات الانفتاح الاقتصادي وحساسية البنية الثقافية والدينية للمجتمع المغربي.

المعطيات الرسمية الروسية تؤكد أن الشحنة، التي انطلقت منتصف فبراير 2026 من مقاطعة كورسك، استوفت جميع الإجراءات الصحية والبيطرية وحصلت على الشهادات المخبرية اللازمة قبل وصولها إلى الموانئ المغربية، في إطار مسار متنامٍ لتوسيع الصادرات الزراعية والغذائية الروسية نحو المغرب. وقد بلغ وزن الدفعة الأولى نحو 22.2 طناً من الأمعاء الخنزيرية المملحة، وهي مادة تدخل عادة في صناعات تحويلية محددة، خصوصاً في الصناعات الغذائية أو الدوائية.

لكن ما يُقدَّم على أنه تعاون اقتصادي متخصص يطرح في الواقع أسئلة أعمق تتجاوز التقنية إلى المجال الرمزي والثقافي. فالمغرب، الذي يعرّف نفسه دستورياً ودينياً كبلد إسلامي، يجد نفسه أمام إدخال منتج شديد الحساسية إلى فضائه الاقتصادي، دون نقاش عمومي واضح حول طبيعة استخدامه أو مسارات توزيعه أو حدود توظيفه الصناعي. وهنا يكمن جوهر الإشكال: هل يتعلق الأمر فعلاً بمادة صناعية محصورة في مجالات تقنية، أم ببوابة جديدة لتطبيع منتجات محرمة دينياً داخل السوق تحت غطاء التصنيع؟

اللافت أن هذه الخطوة تأتي في سياق توجه مغربي معلن لتنويع الشركاء التجاريين ومصادر التوريد، في ظل تحولات سلاسل الإمداد العالمية، وهو ما يفسر تقارباً اقتصادياً متزايداً مع روسيا في قطاعات زراعية وغذائية متخصصة. غير أن هذا التوجه، حين يصطدم بمنتجات ذات حمولة ثقافية ودينية حساسة، يكشف حدود المقاربة البراغماتية البحتة التي تتجاهل البعد المجتمعي للسياسات التجارية.

إن استيراد أمعاء الخنازير، حتى لو تم توجيهها حصرياً للصناعات التحويلية أو التصدير المعاد، يظل رمزياً حدثاً صادماً في مجتمع يشكل فيه الامتناع عن منتجات الخنزير أحد أكثر المحرمات رسوخاً. وهو ما يضع سلطات المخزن أمام معادلة دقيقة: كيف يمكن توسيع الانفتاح التجاري دون إحداث قطيعة نفسية وثقافية مع الرأي العام؟ وكيف يمكن ضمان الشفافية الكاملة في مسارات هذه المواد حتى لا تتحول من مدخل صناعي محدود إلى سوق استهلاكية غير معلنة؟

الأخطر أن غياب التواصل الرسمي المفصل حول طبيعة الاستعمال النهائي للشحنة يفتح الباب أمام الشائعات والريبة، وهو ما قد يقوض الثقة في منظومة المراقبة الصحية والغذائية نفسها. فالمجتمع لا يتعامل مع هذه القضية كملف تقني، بل كمسألة هوية وقيم، ما يجعل أي غموض إداري قابلاً للتحول سريعاً إلى أزمة رمزية.

في النهاية، قد تبدو شحنة أمعاء الخنازير الروسية مجرد صفقة تجارية صغيرة في ميزان الاقتصاد الكلي، لكنها في ميزان الوعي المجتمعي المغربي تحمل دلالة أكبر بكثير: إنها اختبار حقيقي لقدرة دولة المخزن على التوفيق بين اقتصاد العولمة وثقافة المجتمع. وبين منطق السوق ومنطق الهوية، يبقى السؤال مفتوحاً: هل دخل المغرب مرحلة البراغماتية المطلقة في تجارته الغذائية، أم أن هذه الواقعة ستفرض إعادة رسم الخطوط الحمراء للاقتصاد في مجتمع محافظ؟

رابط دائم : https://dzair.cc/7iwn نسخ

اقرأ أيضًا