في تطور لافت في الساحة المغربية، خرجت عائلات الشباب الثلاثة الذين قضوا برصاص قوات الأمن في بلدة «القليعة» قرب أكادير لتكسر صمتها، وتعلن تحدّيها للرواية الرسمية التي تسوّقها السلطات، وتطالب بـ«تحقيق مستقل وشفاف» في ملابسات وفاة أبنائها، معتبرة أن ما جرى ليس ردّ فعل دفاعي من الأمن بل قتلًا مباشرًا للشباب.
الأحداث المحيطة بهذه القضية ذات وقع خاص، إذ وقعت في ذروة احتجاجات حركة “جيل زد” الشبابية التي خرجت منذ أواخر سبتمبر للمطالبة بإصلاحات اجتماعية حقيقية، وتنديدًا بتردّي الخدمات العامة في الصحة والتعليم والفرص الاقتصادية، وسط شعور متزايد بعدم الاستجابة من قِبل الحكومة المغربية.
العائلات التي فقدت أبنائها رفضت الرواية الرسمية التي ربطت الأحداث بمحاولة مهاجمة ثكنة للجيش، مشيرة إلى أن الشباب لم يشاركوا في أي هجوم، بل كانوا عائدين أو في مواقع بعيدة عن مكان المواجهات، فيما تقول السلطات إن إطلاق النار كان “ردًّا مشروعًا”.
هذا الخلاف في الروايات لم يقتصر على العائلات فحسب، بل تلقفته المنظمات الحقوقية المغربية والدولية التي طالبت بتدخل قضائي مستقل وإجراء خبرات بالرصاص والمسارات لتحديد الحقيقة، ما يعكس حالة من عدم الثقة تجاه الآليات الرسمية في التعامل مع ملفات الاحتجاجات التي شهدتها عدة مدن مغربية.
وتخطت احتجاجات “جيل زد” مرحلة المطالب الاجتماعية إلى اختبار حقيقي للنفَس الشعبي تجاه السياسات القائمة، إذ لم تقتصر على الرباط فقط بل امتدت إلى الدار البيضاء وتطوان ومراكش، في مشهد يُظهر أن غضب الشباب لم يتراجع رغم قمع بعض التظاهرات وتراجع موجة العنف المباشر في بعض الأيام.
من اللافت أيضًا أن السلطات المغربية اتخذت مواقف رسمية متحفظة تجاه التظاهرات، مع دعوات متكررة للتهدئة، بينما يستمر الشباب في المطالبة بتلبية احتياجاتهم الأساسية مثل التعليم والصحة ومكافحة الفساد، مطالبين في أحيان عديدة بالافراج عن المعتقلين وضرورة معالجة مطالبهم عبر الحوار وليس بالقمع.
يأتي هذا كله في سياق طبيعي يشهد فيه المغرب تصدعات في مساحة الحوار الاجتماعي والحقوقي، مع تصاعد مطالب متنوعة، أبرزها مطالبة جيل زد الحكومة المغربية بإعادة ترتيب أولوياتها لصالح الخدمات الأساسية، بعيدًا عن الاستثمار في مشاريع لا تعالج الفوارق الحقيقية بين المواطن والدولة.
بينما تواجه السلطات تحديًا مزدوجًا: الطلب بإجراء تحقيق مستقل في مقتل الشبان الثلاثة، وإدارة موجة احتجاجات شبابية غير مرتبطة بأجندات حزبية تقليدية، بل تعبّر عن غضب أجيال تواجه تردّي الخدمات وضعف الفرص؛ يبدو أن المرحلة المقبلة ستبقى حاسمة في اختبار علاقة نظام المخزن بالمجتمع، وقدرته على الاستجابة لمطالب شعب بات يعلن رفضه للخطابات الأمنية كحل وحيد لمطالب مشروعة.
