ترحـل الأجساد، لكن بعض الرجال لا يغادرون حقًا. يرحلون في
صمت، وتبقى آثارهم شاهدة على زمن كانوا فيه عنوانًا للوفاء وجزءًا من ذاكرة وطن لا ينسى أبناءه الذين صدقوا العهد معه.
برحيل المجاهد والوزير الأسبق عبد الوهاب بكلي، لم تفقد غرداية أحد أبنائها فحسب، بل فقدت الجزائر رجلًا من جيل لم يكن الوطن بالنسبة إليه شعارًا، بل مسؤولية ورسالة وقدرًا.
شهدت مراسم التشييع حضورًا رسميًا وشعبيًا لافتًا، يتقدمه السيد :إبراهيم بوغالي رئيس المجلس الشعبي الوطني ، وممثلًا عن رئيس مجلس الأمة السيد :نصر الدين ببا عدون، إلى جانب السيد: عمراني بوعلام، والي ولاية غرداية السابق، الذي جمعته بالفقيد علاقة تقدير واحترام. كما حضر السلطات المحلية والمنتخبة والمدنية والعسكرية، وممثلو الأسرة الثورية، والأمين العام للولاية، وأعيان المنطقة، وممثلو الهيئات العرفية والاجتماعية، وأعضاء حلقات العزابة، إلى جانب جمع غفير من المواطنين، في مشهد مؤثر جسّد معاني الوفاء لرجل أفنى عمره في خدمة وطنه.
كان من أولئك الرجال الذين صنعوا مسارهم بهدوء، دون ضجيج، وتركوا بصمتهم دون ادعاء. لم يكن مجرد مسؤول تقلّد منصبًا وزاريًا، بل كان شاهدًا على مراحل مفصلية من تاريخ الجزائر، ومساهمًا في ترسيخ مؤسساتها، ومؤمنًا بأن خدمة الوطن لا تنتهي بانتهاء المهام الرسمية، بل تستمر فكرًا وموقفًا وكلمة.
في جنازته، لم يكن المشهد مجرد مراسم وداع، بل كان استفتاءً صامتًا على قيمة الرجل. وجوه متأثرة وقلوب يعتصرها الحزن، وحضور عفوي جاء ليقول شيئًا واحدًا: إن الأوطان تحفظ أبناءها الذين حفظوها. فالمكانة الحقيقية لا تُمنح بالقرارات، بل تُصنع بالصدق، وتثبتها الأيام، وتخلّدها الذاكرة الجماعية.
لقد آمن الراحل بأن الجزائر أكبر من المناصب، وأن المسؤولية ليست امتيازًا، بل التزامًا أخلاقيًا قبل أن تكون وظيفة. لذلك ظل حاضرًا في الشأن العام بعد تقاعده، مفكرًا وكاتبًا وشاهدًا على التحولات، مدفوعًا بإحساس عميق بالانتماء وإيمان راسخ بأن الأوطان تُبنى بسواعد أبنائها وإخلاصهم.
ولم يقتصر عطاء الراحل على المهام التنفيذية، بل تجاوزه إلى فضاء الفكر والتوثيق، حيث خلّف إرثًا من المؤلفات التي تمثل شهادة فكرية على مرحلة دقيقة من تاريخ الجزائر، من أبرزها:
كتاب «محليات 27 نوفمبر 2021»
كتاب «الحراك الشعبي في الجزائر»
كتاب «من مبادرات وخلاصات متقاعد»
مؤلفه «من الحراك الشعبي المبارك الأصيل إلى بزوغ فجر الجزائر الجديدة».
تعكس هذه الأعمال وعيه العميق بالتحولات السياسية والاجتماعية التي شهدتها البلاد، وحرصه على توثيقها برؤية رجل دولة عايش الأحداث وأسهم في صنع جزء من مسارها، فكان شاهدًا بالقلم كما كان فاعلًا بالموقف.
حين يرحل رجال من طينة عبد الوهاب بكلي، لا يكون الرحيل نهاية، بل بداية لحضورٍ من نوع آخر… حضور في الذاكرة، وفي القيم، وفي المثال الصامت الذي يذكّرنا بأن الجزائر أنجبت رجالًا عاشوا لها، ورحلوا تاركين وراءهم ما هو أبقى من الحياة نفسها: الأثر.
رحم الله الفقيد وأسكنه فسيح جناته، وألهم أهله ومحبيه الصبر والسلوان. وستبقى الجزائر، كما كانت دائمًا، تحفظ أسماء الذين حفظوا عهدها.
بقلم أ. هامل عبد القادر
