الأحد 01 مارس 2026

علي خامنئي.. بورتريه حول “حكيم الثورة” والمهندس الذي صاغ قدر إيران الحديث

نُشر في:
علي خامنئي.. بورتريه حول “حكيم الثورة” والمهندس الذي صاغ قدر إيران الحديث

في سجلات التاريخ المعاصر، تبرز شخصيات قليلة استطاعت أن تجمع بين وقار المرجعية الدينية وحنكة القيادة السياسية كما فعل آية الله علي خامنئي. على مدار 37 عاماً، لم يكن المرشد الأعلى مجرد رئيس للدولة، بل كان “بوصلة الثورة” وحارسها الأمين، والرجل الذي استطاع أن يقود سفينة إيران وسط أمواج عاتية من الحصار والحروب والضغوط الدولية، ليخرج بها قوة إقليمية لا يمكن تجاوزها.

مدرسة الثبات.. من الزنزانة إلى “بيت الرهبر”

لم يكن صعود خامنئي وليد الصدفة، بل كان تتويجاً لتاريخ حافل بالتضحيات. فمن غياهب سجون الشاه، حيث صُقلت إرادته، إلى ميادين القتال في الحرب المفروضة (إيران والعراق) التي شهدت حضوره الميداني بالزي العسكري، تشكلت شخصية القائد الذي لا يهتز.

حتى جراحه الجسدية، المتمثلة في يده اليمنى التي أُصيبت في محاولة اغتيال آثمة عام 1981، تحولت في وجدان الإيرانيين إلى “وسام فخر” يذكرهم بالثمن الذي دفعه القائد في سبيل المبادئ التي يؤمن بها.

مهندس “الاقتدار” الإيراني

تحت قيادة خامنئي، شهدت إيران تحولاً استراتيجياً جذرياً. فبينما كان العالم يراهن على انكسار الدولة تحت وطأة العقوبات، كان هو يشرف بدقة على:

بناء الذات: تطوير البرنامج النووي والترسانة الصاروخية التي جعلت من إيران رقماً صعباً في معادلة الردع العالمي.

العمق الاستراتيجي: مدّ نفوذ إيران وتأثيرها ليتجاوز حدودها الجغرافية، مؤسساً لشبكة تحالفات إقليمية (محور المقاومة) جعلت من طهران لاعباً مركزياً في رسم خارطة الشرق الأوسط.

الاستقلال السياسي: التمسك بمبدأ “لا شرقية ولا غربية”، رافضاً التبعية لأي قوة عظمى، ومحافظاً على سيادة القرار الوطني الإيراني في أحلك الظروف.

“المرونة البطولية”: حكمة الربان

رغم ثباته على المبادئ، أثبت خامنئي أنه يمتلك حكمة “المرونة البطولية”؛ تلك القدرة النادرة على المناورة التكتيكية عندما تقتضي مصلحة البلاد العليا ذلك، دون التنازل عن الثوابت العقائدية. كان زاهداً في المظاهر، متقشفاً في حياته الخاصة، مخلصاً لشعبه، ولم يغادر تراب وطنه طوال عهده، مؤكداً أن جذوره وتطلعاته تبدأ وتنتهي في أرض إيران.
رحيل “الجبل الأشم”

يغادر علي خامنئي المشهد بعد حياة حافلة بالجهاد السياسي والفكري، تاركاً خلفه مؤسسات راسخة وجيشاً عقائدياً وشعباً يرى فيه الأب الروحي والقائد الملهم. إن غيابه يمثل نهاية حقبة من “الصمود الأسطوري”، لكن الإرث الذي وضعه، من الاكتفاء الذاتي العلمي إلى العزة القومية، سيظل المنارة التي تهتدي بها الأجيال القادمة في إيران.

رابط دائم : https://dzair.cc/c6nn نسخ

اقرأ أيضًا