تمثل الزيارة المرتقبة لقداسة البابا ليون الرابع عشر إلى الجزائر محطة تاريخية بأبعاد دينية وحضارية ودبلوماسية عميقة، تتجاوز طابعها البروتوكولي لتلامس أسئلة المكانة والدور والذاكرة في الفضاء المتوسطي. فالحدث لا يُقرأ فقط باعتباره زيارة رعوية أو دبلوماسية، بل باعتباره لحظة اعتراف جديدة بالدور التاريخي الذي لعبته الجزائر في تشكيل جزء من الفكر الغربي المسيحي.
في سياق إقليمي ودولي متحوّل، تكتسب هذه الزيارة أهمية خاصة، إذ تعيد تثبيت الجزائر ضمن سردية المتوسط كفضاء تفاعل حضاري لا كخط تماس جغرافي فحسب.
عنابة.. ذاكرة أوغسطين وجسر الضفتين
تحظى مدينة عنابة بمكانة مركزية في برنامج الزيارة، لكونها المدينة التي شهدت المرحلة الأهم في الحياة الفكرية والروحية للقديس أوغسطين. هناك تبلورت أفكاره التي ستصبح لاحقاً أحد الأعمدة المؤسسة للاهوت الغربي.
زيارة البابا إلى عنابة تمثل لحظة رمزية تعيد ربط الحاضر بالماضي المتوسطي المشترك بين الجزائر وأوروبا. فهي تذكير بأن شمال إفريقيا لم يكن هامشاً في التاريخ الديني والفلسفي، بل فضاءً فاعلاً في إنتاج المعرفة وصياغة المفاهيم التي أثرت في الفكر الإنساني لقرون.
إنها استعادة لمركزية إفريقية في سردية غالباً ما قُرئت بعيون أوروبية خالصة، وإعادة إدماج للجزائر في قلب التاريخ الروحي للمتوسط.
رسالة سياسية تتجاوز الرمزية
تأتي زيارة البابا أيضاً في سياق تروّج فيه بعض الأصوات الخارجية لصورة الجزائر كدولة معزولة دولياً. غير أن استقبال رأس الكنيسة الكاثوليكية يوجّه رسالة معاكسة تماماً: الجزائر حاضرة، فاعلة، ومنخرطة في دوائر الحوار الدولي.
الحدث، بهذا المعنى، يشكل رداً عملياً على تلك السرديات، ويؤكد أن الجزائر ليست خارج التوازنات المتوسطية، بل جزء أساسي منها، بحكم موقعها الجغرافي وثقلها التاريخي ودورها السياسي.
أبعاد الزيارة: قراءة متعددة المستويات
1. البعد الدبلوماسي
تشكل الزيارة فرصة لتعزيز صورة الجزائر كفاعل معتدل ومتوازن في الساحة الدولية، خاصة في ظل التحديات المرتبطة بقضايا الهوية والدين. فاستضافة شخصية روحية عالمية بهذا الثقل تعكس قدرة الدولة على إدارة التنوع والانفتاح في إطار سيادي مستقر، وتمنحها رصيداً إضافياً في مسار علاقاتها الدولية.
2. البعد الجيوسياسي
تمثل الجزائر نقطة توازن بين إفريقيا وأوروبا، بحكم موقعها في قلب المتوسط وامتدادها الإفريقي العميق. زيارة البابا تعزز هذا الدور الرمزي، خاصة في سياق العلاقات المتوسطية التي تبحث عن صيغ جديدة للتعاون والحوار في مواجهة الأزمات الأمنية والهوياتية.
الجزائر هنا ليست مجرد فضاء جغرافي، بل حلقة وصل استراتيجية بين ضفتين تحتاجان إلى جسور أكثر من حاجتهما إلى أسوار.
3. القوة الناعمة.. استثمار اللحظة
في عالم أصبحت فيه القوة الناعمة عنصراً أساسياً في العلاقات الدولية، يمكن لزيارة البابا أن تشكل فرصة استراتيجية لتعزيز الحضور الثقافي الجزائري دولياً. فالحدث يتيح إبراز ثراء الثقافة الوطنية بتعدد روافدها الأمازيغية، والرومانية، والعربية الإسلامية، والإفريقية والمتوسطية.
إن تحويل الإرث التاريخي إلى رافعة دبلوماسية وثقافية يعزز من صورة الجزائر كدولة قادرة على تسويق سرديتها الخاصة عن التعدد والتعايش.
4. البعد الديني
تعزز الزيارة العلاقات بين الجزائر والكرسي الرسولي، وتؤكد أهمية الحوار بين الأديان في منطقة المتوسط. في زمن تتصاعد فيه النزعات الانغلاقية، تبدو هذه الخطوة تأكيداً على أن الحوار الديني يمكن أن يكون أداة استقرار لا عامل توتر.
5. البعد الحضاري
الأهم أن الزيارة تكرّس حقيقة أن الجزائر ليست فقط دولة حديثة الاستقلال، بل فضاء حضاري عميق ساهم في تشكيل الفكر الإنساني عبر العصور. إنها أرض تلاقت فيها الحضارات: الأمازيغية، والرومانية، والإسلامية، والمتوسطية.
وقد قدمت الدولة الجزائرية مقاربة متوازنة لهذا الإرث، تقوم على اعتبار التراث الإنساني المشترك عنصر قوة لا مصدر صراع. هذا التصور يمنح الزيارة بعداً يتجاوز اللحظة، ويجعلها محطة يمكن البناء عليها ضمن رؤية استراتيجية طويلة المدى.
أكثر من بروتوكول.. لحظة إعادة تثبيت الدور
ليست زيارة البابا ليون الرابع عشر إلى الجزائر مجرد حدث بروتوكولي، بل محطة تاريخية تؤكد مكانة الجزائر الحضارية في الفضاء المتوسطي. إنها مناسبة لإعادة تثبيت صورتها كأرض للحوار والتعدد، وكفاعل يسعى إلى تحويل الذاكرة المشتركة إلى مشروع تعاون مستقبلي.
في عنابة، حيث تتقاطع الجغرافيا بالتاريخ، لا يُستعاد الماضي بوصفه حنيناً، بل يُستثمر كأفق. ومن هناك، قد تبدأ مرحلة جديدة في تموضع الجزائر كقلب متوسطي نابض بالحوار والانفتاح.
