الأحد 01 فيفري 2026

غار جبيلات.. حين استعاد القرار الاقتصادي الجزائري ثقله بعد عقود من التعطيل

نُشر في:
غار جبيلات.. حين استعاد القرار الاقتصادي الجزائري ثقله بعد عقود من التعطيل

لم يكن منجم غار جبيلات مجرّد موقع معدني مهمل في عمق الصحراء، بل ظلّ لعقود طويلة رمزاً لما عانته الجزائر من تعطيل ممنهج لمقدّراتها الاستراتيجية. هذا المورد الهائل، الذي اكتشفته فرنسا الاستعمارية في خمسينيات القرن الماضي، ظل حبيس الحسابات السياسية والضغوط الخارجية والخيارات الاقتصادية المترددة، إلى أن دخل أخيراً مرحلة الاستغلال الفعلي، ليشكّل نقطة تحوّل في مسار السيادة الاقتصادية الجزائرية.

يقع غار جبيلات جنوب-غرب البلاد، بالقرب من الحدود المغربية، ويضم واحداً من أكبر احتياطيات الحديد في العالم، تُقدَّر بأكثر من 3.5 مليار طن، منها ما يفوق 1.7 مليار طن قابلة للاستغلال المباشر بنسبة تركيز عالية. ورغم هذا الثقل الجيولوجي والاقتصادي، لم يتحوّل المنجم إلى مشروع فعلي إلا بعد أكثر من سبعين عاماً من اكتشافه، ما يطرح سؤالاً عميقاً حول أسباب التأجيل، ومن كان مستفيداً من بقاء هذا “العملاق” خارج الخدمة.

منذ الاستقلال، أدركت الدولة الجزائرية مبكراً القيمة الاستراتيجية لغار جبيلات. الرئيس الراحل هواري بومدين وضعه ضمن تصوره لبناء اقتصاد وطني مستقل قائم على الصناعة الثقيلة، لكن محدودية الإمكانات التقنية والمالية آنذاك، إلى جانب السياق الدولي، حالت دون تحويل الطموح إلى واقع. لاحقاً، عاد المشروع إلى الواجهة في فترات مختلفة، خاصة خلال عهد عبد العزيز بوتفليقة، غير أنه بقي أسير الدراسات والاتفاقيات غير المنجزة، في ظل مناخ اتسم بالبيروقراطية والفساد وغياب الحسم السياسي.

التحول الحقيقي بدأ مع وصول الرئيس عبد المجيد تبون إلى الحكم سنة 2019. فاستغلال غار جبيلات لم يُطرح هذه المرة كشعار أو وعد انتخابي، بل كخيار سيادي لا يقبل التأجيل. تم توفير الغطاء السياسي، وحُسمت الشراكات، وأُطلقت الأشغال الميدانية، لتنتقل الجزائر من مرحلة “لماذا لا؟” إلى مرحلة “كيف وبأي سرعة؟”.

أحد أهم مفاتيح هذا التحول كان فك العزلة الجغرافية عن المنجم. فبدون شبكة نقل ثقيلة، لا قيمة لأي احتياطي معدني. من هنا جاء مشروع السكة الحديدية العملاقة التي تربط بشار بتندوف وغار جبيلات، بطول يقارب 950 كيلومتراً، مع مقطع مباشر يربط المنجم بالشبكة الوطنية. هذا الإنجاز لم يكن مجرد مشروع بنية تحتية، بل إعادة رسم لخريطة الاقتصاد الوطني، وربط فعلي للصحراء بالمنظومة الإنتاجية والتصديرية للبلاد.

لم تكن الطريق معبّدة. فإلى جانب التحديات التقنية واللوجستية المرتبطة بالعمل في بيئة صحراوية قاسية، واجه المشروع مقاومات صامتة ومعلنة. لوبيات اقتصادية خارجية، خصوصاً فرنسية، لم تُخف انزعاجها من دخول الجزائر بقوة إلى سوق الحديد، لما لذلك من انعكاسات على التوازنات الإقليمية والدولية. كما لم تغب محاولات الإرباك من الداخل، من أطراف اعتادت اقتصاد الريع والتبعية، ورأت في غار جبيلات تهديداً مباشراً لمصالحها.

ورغم ذلك، فرضت الدولة الجزائرية خيارها. الشراكة مع الصين، ونقل التكنولوجيا، ووضع آجال تنفيذ واضحة، كلها عناصر ساهمت في تسريع وتيرة الإنجاز. واليوم، لم يعد الحديث عن غار جبيلات نظرياً، بل عن إنتاج فعلي، وخطط لتصنيع الحديد محلياً، وتصدير جزء معتبر منه نحو الأسواق الأوروبية والآسيوية.

دخول الجزائر هذا المجال لا يحمل فقط بعداً اقتصادياً، بل يعيد صياغة موقعها في سلاسل القيمة العالمية. فالحديد ليس مادة خام عادية، بل ركيزة للصناعة، والبناء، والدفاع، والبنى التحتية. والتحكم فيه يمنح الدولة هامشاً أوسع في القرار الاقتصادي والتفاوض السياسي، ويقلّص من ارتهانها لتقلبات الأسواق الخارجية.

بهذا المعنى، يمثّل غار جبيلات أكثر من منجم. إنه إعلان عملي عن نهاية مرحلة التردد، وبداية مسار يعتمد على استثمار الموارد الوطنية لخدمة التنمية والسيادة معاً. بعد سبعين عاماً من الانتظار، لم يعد المشروع حلماً مؤجلاً، بل واقعاً يفرض نفسه كأحد أعمدة الجزائر الاقتصادية الجديدة، ورسالة واضحة مفادها أن زمن تعطيل الإمكانات قد ولّى، وأن القرار الوطني حين يتوفر، يغيّر المعادلات.

رابط دائم : https://dzair.cc/djla نسخ

اقرأ أيضًا