الأربعاء 18 فيفري 2026

غياب الملك وتكاثر البلاغات الطبية: صحة محمد السادس تُعيد طرح سؤال السلطة المؤجَّلة في المغرب

نُشر في:
غياب الملك وتكاثر البلاغات الطبية: صحة محمد السادس تُعيد طرح سؤال السلطة المؤجَّلة في المغرب

مرة أخرى، يعود القصر الملكي المغربي إلى سلاحه المفضّل عند كل منعطف سياسي أو إقليمي حساس: بلاغٌ طبي مقتضب، مُطمئِن في ظاهره، ومُقلق في توقيته ودلالاته. فبعد أشهر من الغياب شبه التام عن المشهد العام، أعلنت وكالة الأنباء الرسمية المغربية أن الملك محمد السادس يوجد في “راحة وظيفية” بسبب معاناته من آلام أسفل الظهر، وُصفت طبيًا بأنها “لومبوسياتالجي ميكانيكية مصحوبة بتشنج عضلي دون مؤشرات خطيرة”.

الخبر، في حد ذاته، قد يبدو عاديًا في أي دولة تحترم حق مواطنيها في المعلومة الصحية الشفافة، لكن في الحالة المغربية لا يمكن فصله عن سياق سياسي ثقيل، وعن تاريخ طويل من الغموض الذي يلف الحالة الصحية للملك، كلما تزامنت مع استحقاقات داخلية أو أزمات إقليمية. فمحمد السادس، البالغ 62 عامًا، لم يظهر علنًا داخل المغرب منذ أكتوبر الماضي، وغاب عن افتتاح كأس إفريقيا المقامة على أرض بلاده، تاركًا المشهد لولي العهد الأمير مولاي الحسن، في رسالة صامتة لكنها بالغة الدلالة.

البلاغ الطبي، الذي حرص على نفي “أي خطورة”، لم يحدد مدة الراحة ولا انعكاسها على أداء الملك لمهامه الدستورية، وهو ما يفتح الباب مجددًا أمام التساؤلات القديمة المتجددة حول من يُدير فعليًا شؤون الحكم في غياب الملك، وحول مدى جاهزية النظام السياسي لانتقال سلطة واضح، مؤسساتي، وغير مُرتبط بصحة شخص واحد. فالمغرب، رغم واجهته الدستورية، لا يزال نظامًا شديد التمركز حول الملك، ما يجعل أي غياب طويل له مسألة سياسية بامتياز، لا مجرد شأن صحي خاص.

وفي محاولة واضحة لإعادة ضبط الصورة، جاء الإعلان في اليوم نفسه عن عفو ملكي شمل 1386 شخصًا، من بينهم مدانون في قضايا تطرف وإرهاب، بمناسبة ذكرى تقديم وثيقة الاستقلال. خطوة تقليدية في المناسبات الوطنية، لكنها تُقرأ هذه المرة كرسالة مزدوجة: تأكيد رمزي على استمرار “العطف الملكي”، ومحاولة لملء فراغ الحضور السياسي بقرارات ذات طابع سيادي عالي الرمزية.

غير أن الإشكال الأعمق لا يكمن في المرض نفسه، بل في طريقة تعاطي المخزن مع مسألة الحكم والشفافية. فبين بلاغات طبية متكررة منذ سنوات، وظهور متقطع، واعتماد متزايد على الدائرة الضيقة المحيطة بالقصر، يتعزز الانطباع بأن المغرب يعيش حالة “تعليق سياسي ناعم”، حيث لا يُعلَن الغياب الكامل، ولا يُدار الانتقال بوضوح. وهو وضع يُغذي الصراعات الصامتة داخل مراكز النفوذ، ويُبقي مستقبل السلطة رهينة الإشارات بدل القواعد.

في المحصلة، لا يُدين هذا الخبر الحالة الصحية للملك بقدر ما يكشف هشاشة نموذج الحكم القائم على الشخص لا على المؤسسة. فالدول لا تُدار بالبلاغات الطبية، ولا تُطمأن الشعوب بجُمل من قبيل “لا يدعو إلى القلق”، بل ببناء نظام واضح لتداول السلطة، يُحصّن الدولة من الارتباك كلما غاب رأسها. وما دام هذا السؤال مؤجّلًا في المغرب، فإن كل بلاغ صحي، مهما بدا بسيطًا، سيظل حدثًا سياسيًا بامتياز.

رابط دائم : https://dzair.cc/1jl7 نسخ

اقرأ أيضًا