الاثنين 26 جانفي 2026

فرنسا تخسر مصالحها في الجزائر: كيف ارتدّ تصعيد اليمين المتطرف على النفوذ الفرنسي في شمال إفريقيا

نُشر في:
فرنسا تخسر مصالحها في الجزائر: كيف ارتدّ تصعيد اليمين المتطرف على النفوذ الفرنسي في شمال إفريقيا

لم يؤدِّ التصعيد المتزايد لخطاب اليمين الفرنسي المتطرف تجاه الجزائر إلى النتائج التي راهن عليها مهندسوه، بل انقلب، وفق مؤشرات اقتصادية وتجارية واضحة، إلى عامل إضعاف مباشر للنفوذ الفرنسي في أحد أهم معاقله الجيوسياسية بشمال إفريقيا. فبدلاً من الضغط على الجزائر، كشفت المواجهة الكلامية والسياسية عن كلفة باهظة دفعتها باريس، اقتصادياً واستراتيجياً.

وخلال الأشهر الماضية، لجأ اليمين الفرنسي إلى استنفاد كامل “ذخيرته” السياسية تجاه الجزائر، من الدعوة إلى مراجعة اتفاقيات الهجرة، إلى تمجيد الماضي الاستعماري، واستثمار شخصيات إعلامية وفكرية معروفة بعدائها للجزائر، مروراً بإثارة ملفات حساسة كالهجرة والصحراء الغربية. غير أن هذا التصعيد، الذي اتخذ طابعاً استعراضياً، لم يُنتج سوى نتائج عكسية.

وتشير أرقام المبادلات التجارية لسنة 2025 إلى تراجع حاد في حجم التبادل بين البلدين بنسبة 12.3 في المئة، ما شكّل ضربة موجعة للمصالح الفرنسية، خصوصاً في ظل اعتبار الجزائر سوقاً تقليدية واستراتيجية لباريس. هذا التراجع لم يكن ظرفياً، بل عكس تحولاً أعمق في توجهات الشراكة الاقتصادية الجزائرية.

الأثر الأبرز ظهر في قطاع الحبوب، حيث انهارت صادرات القمح الفرنسي إلى الجزائر بنسبة صادمة بلغت 98.6 في المئة، منتقلة من نحو 300 مليون يورو إلى 4 ملايين يورو فقط خلال النصف الأول من عام 2025. ونتيجة لذلك، تواجه فرنسا اليوم أعلى مستوى مخزون من القمح غير المباع منذ أكثر من عقدين، يُقدَّر بنحو أربعة ملايين طن، في سياق خسارة السوق الجزائرية وتراجع الطلب العالمي، خاصة من الصين.

ولم تقتصر الخسائر على القمح، بل امتدت إلى قطاعات الحليب والأدوية، حيث تكبدت شركات فرنسية خسائر بمليارات اليورو خلال السنوات الأخيرة. ورغم استمرار نشاط نحو ستة آلاف شركة فرنسية في الجزائر، إلا أنها تواجه عزلة تنظيمية متزايدة، في ظل منح الأولوية، في المناقصات الكبرى، لشركاء من إيطاليا وألمانيا وتركيا والصين.

في المقابل، فتحت الجزائر مساراً براغماتياً جديداً في علاقاتها الاقتصادية، مستفيدة من التوتر مع باريس لإعادة تشكيل خريطة شراكاتها الدولية. فقد برزت إيطاليا كشريك طاقوي وتكنولوجي رئيسي، مع بلوغ حجم التبادل التجاري بين البلدين تسعة مليارات يورو خلال ثمانية أشهر فقط من عام 2025، ونمو الصادرات الإيطالية نحو الجزائر بنسبة 11.7 في المئة.

كما عززت الصين حضورها عبر رفع حجم استثماراتها إلى سبعة مليارات دولار، موزعة على 42 مشروعاً صناعياً كبيراً، بالتوازي مع دخول شركات أميركية كبرى، من بينها “إكسون موبيل”، لتطوير حقول الغاز الصخري والنفط. هذا التوجه يعكس انتقال الجزائر إلى منطق تنويع الشراكات في عالم متعدد الأقطاب، بعيداً عن الارتهان التاريخي للمحور الفرنسي.

وتكشف هذه المعطيات أن الجزائر لم تعد ترى نفسها مضطرة للمرور عبر “بوابة باريس”، بل باتت ترسخ سيادة اقتصادية تقبل التفاوض الندي وترفض منطق الابتزاز السياسي. في المقابل، يبدو أن اليمين الفرنسي، بانغماسه في خطاب الكراهية والاستقطاب، أسهم من حيث لا يحتسب في تسريع فك الارتباط الاقتصادي مع الجزائر، مقدّماً، بحسب مراقبين، خدمة استراتيجية غير مقصودة لمصالحها الوطنية.

المصدر: مراد شبين، صحافي جزائري – منشور على صفحته الرسمية في فيسبوك.

رابط دائم : https://dzair.cc/jmac نسخ

اقرأ أيضًا