بينما يحاول إعلام البروباغاندا الرسمي تصوير الفساد في المغرب كأنه “سلوكيات فردية” شاردة أو خطايا معزولة لبعض الموظفين، جاءت صرخة النائبة البرلمانية عن فيدرالية اليسار، فاطمة التامني، لتنسف هذه السردية التضليلية. فمن قلب الدار البيضاء، مساء الجمعة 27 فبراير 2026، وضعت التامني “المخزن” أمام مرآة الحقيقة البشعة: الفساد في المغرب ليس ثقباً في السفينة، بل هو المحرك الذي يديرها.
الفساد كبنية منظومية.. “جينات” الاستبداد
في قراءة نقدية حادة لكتاب “الفساد والريع”، أكدت التامني أن الفساد في المملكة ليس مجرد “قلة أخلاق”، بل هو “بنية منظومية متجذرة” داخل أركان الدولة والمجتمع. هذا التحليل البنيوي يضرب في العمق شرعية النظام الاقتصادي القائم؛ فالمخزن لا يدير دولة، بل يدير “منظومة ريعية” تعيد إنتاج نفسها عبر الاستحواذ على السلطة للتحكم في الموارد.
إن الفساد هنا هو “هواء” يتنفسه النظام، حيث تتحول الموارد الوطنية إلى “مداخيل غير منتجة” تتدفق في جيوب فئة محددة، ليس عبر كفاءة اقتصادية، بل عبر الولاء والقرب من مركز القرار.
دولة “المؤسسات الكرتونية” وحماية الريع
تساءلت التامني بمرارة تعكس واقع الحال: “كيف نفسر استمرار الفساد رغم تعدد مؤسسات الحكامة؟”. والجواب الذي يدركه كل مغربي هو أن هذه المؤسسات ليست سوى “واجهات استعراضية” تهدف لتلميع وجه المخزن أمام المانحين الدوليين، بينما تظل الوظيفة الحقيقية للدولة هي حماية “اقتصاد الريع”.
إن تكاثر هيئات النزاهة والشفافية في ظل نظام ريعي هو مجرد “هزل سياسي”؛ فالإشكال ليس في غياب القوانين، بل في طبيعة النموذج الاقتصادي المخزني الذي لا يمكنه العيش دون “زواج كاثوليكي” بين المال والسلطة.
الاستحواذ على الموارد.. سرقة موصوفة باسم “القانون”
لقد قطعت التامني الشك باليقين حين أكدت على “العلاقة العضوية والضرورية” بين الريع والفساد. ففي المغرب، لا يوجد اقتصاد حر، بل يوجد “اقتصاد استلاب”؛ حيث تُصمم السياسات العمومية لخدمة مصالح “الأوليغارشية” الحاكمة.
هذا الربط البنيوي يفتح الأفق لفهم لماذا تظل التنمية في المغرب مجرد “سراب”؛ لأن أي محاولة للإصلاح الحقيقي ستصطدم حتماً بجدار “المصالح الكبرى” التي ترى في الشفافية واستقلال القضاء تهديداً وجودياً لامتيازاتها المنهوبة.
لا إصلاح مع “بنية” الفساد
إن مرافعة فاطمة التامني هي إدانة صريحة لنظام يقتات على إفقار الشعب وتهميش كفاءاته لصالح حاشية الريع. الرسالة واضحة: معركة مواجهة الفساد في المغرب ليست معركة “نوايا حسنة”، بل هي معركة سياسية بامتياز ضد بنية منظومية تعتبر الريع حقاً والفساد قدراً.
لقد سقط قناع “الإصلاح من داخل المنظومة”، فبنية المخزن الاقتصادية والسياسية صُممت لتكون حكراً على الفاسدين، وأي حديث عن التنمية في ظل استمرار هذا “التحكم في الموارد” هو مجرد بيع للأوهام.
