الخميس 29 جانفي 2026

فضيحة إنقاذ الدبلوماسي المغربي من المحكمة الإسبانية: كيف هرّب المخزن قنصل التحرش إلى إفريقيا ووفّرت له سفيرته الحماية

نُشر في:
فضيحة إنقاذ الدبلوماسي المغربي من المحكمة الإسبانية: كيف هرّب المخزن قنصل التحرش إلى إفريقيا ووفّرت له سفيرته الحماية

كشف معطيات قضائية وإعلامية متطابقة عن عملية مدبّرة قادها المخزن المغربي لإبعاد قنصله السابق في مدينة مورسيا الإسبانية، “سيدي محمد بيد الله”، عن دائرة المساءلة القضائية، بعد صدور حكم نهائي يدينه بتهم التحرش الجنسي والمعنوي والمهني في حق سكرتيرته، في واحدة من أكثر القضايا إحراجاً للدبلوماسية المغربية في أوروبا.

ففي خطوة وُصفت بأنها “محاولة مكشوفة للالتفاف على العدالة الإسبانية”، جرى تعيين بيد الله، المحكوم عليه قضائياً، سفيراً للمغرب في موزمبيق، وهو تعيين أُعلن عنه في ماي 2025، في وقت كانت فيه المحاكم الإسبانية قد ثبتت الوقائع وأقرت بوقوع التحرش والطرد التعسفي، وشرعت في تنفيذ مقتضيات الحكم، بما في ذلك الحجز على الحساب البنكي للقنصلية المغربية لتأمين تعويض الضحية.

وبحسب مصادر مطلعة، فإن نقل الدبلوماسي المتورط إلى إفريقيا لم يكن إجراءً إدارياً عادياً، بل “جزءاً من عملية حماية سياسية ممنهجة”، هدفها وضعه خارج المجال الترابي الأوروبي، وبالتالي خارج التأثير المباشر للأحكام القضائية الإسبانية، في انتهاك صريح لمبدأ احترام سيادة القضاء واستقلاله.

دور السفارة والتغطية السياسية

تلعب سفيرة المغرب في مدريد، “كريمة بنيعيش”، دوراً محورياً في هذه القضية، إذ تؤكد مصادر مطلعة أنها كانت على علم مبكر بشكايات التحرش داخل القنصلية المغربية بمورسيا، لكنها “امتنعت عن فتح أي تحقيق داخلي”، ولم تتواصل مطلقاً مع الضحية، بل اختارت، وفق المصادر ذاتها، “توفير الغطاء الإداري والسياسي للقنصل”.

وتشير المعطيات إلى أن السفارة المغربية لم تكتفِ بالصمت، بل انتقلت لاحقاً إلى “الضغط الدبلوماسي المباشر”، عبر مطالبة وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس بالتدخل لرفع الحجز عن الحساب البنكي للقنصلية، في مسعى واضح لتعطيل تنفيذ الحكم القضائي وتعويم المسؤولية القانونية للدولة المغربية.

مسار مهني “مكافأة” بدل المحاسبة

المفارقة اللافتة أن بيد الله، البالغ من العمر 55 عاماً، نال “أول تعيين له كسفير” بعد صدور الحكم ضده في إسبانيا، بعدما شغل مناصب قنصلية في بلباو ومورسيا وتورينو، وهو ما اعتبرته مصادر حقوقية “مكافأة سياسية بدل المحاسبة”، تعكس منطق الإفلات من العقاب داخل المنظومة المخزنية، خاصة حين يتعلق الأمر بكبار الموظفين والدبلوماسيين.

خلفية صحراوية واستثمار سياسي

وتزداد القضية تعقيداً بسبب الخلفية العائلية لبيد الله، فهو مغربي من أصل صحراوي، تنحدر عائلته من مدينة السمارة، وينتمي أحد إخوته إلى القيادة الدبلوماسية لجبهة البوليساريو، حيث يشغل منصب سفير الجمهورية الصحراوية في كوبا، بينما يشغل شقيق آخر موقعاً متقدماً داخل “حزب الأصالة والمعاصرة”، الذراع السياسية للمخزن.

ويرى مراقبون أن توظيف بيد الله داخل السلك الدبلوماسي المغربي لم يكن بعيداً عن “رهان دعائي”، يهدف إلى تقديم “صحراوي موالٍ” للرباط في مواجهة الخطاب الصحراوي المطالب بتقرير المصير، وهو ما يفسر، بحسبهم، التساهل الشديد مع ملفه القضائي في الخارج.

صورة دولة في مأزق

تعكس هذه القضية، في نظر متابعين، “أزمة عميقة في تدبير المخزن لملفات حقوق الإنسان والمساءلة”، حيث تُقدَّم الولاءات السياسية وخدمة السردية الرسمية على حساب العدالة وحقوق الضحايا، حتى لو تعلق الأمر بأحكام قضائية صادرة عن دولة أوروبية.

وبينما تستمر المحاكم الإسبانية في تنفيذ قراراتها، يظهر أن المخزن اختار مرة أخرى “الهروب إلى الأمام”، عبر توظيف الدبلوماسية كدرع واقٍ من المحاسبة، في سلوك يهدد بتقويض الثقة في التزامات المغرب الدولية، ويضع علاقاته مع الدول الأوروبية أمام اختبار أخلاقي وقانوني حرج.

رابط دائم : https://dzair.cc/eor9 نسخ

اقرأ أيضًا