لأول مرة في تاريخ كرة القدم، لم تكن ضربات الترجيح بين المغرب ونيجيريا لحظة شكّ، بل لحظة يقين. الجميع كان يعرف النتيجة مسبقًا: من المحللين إلى المقاهي، من الكبار إلى “أطفال القماطة” وهم في المهد. لا توتّر، لا مفاجأة، لا كرة قدم كما لعبناها ونحن لا نزال صغارا، فقط سيناريو محفوظ يُنفَّذ بدقة لكن الفضيحة خانت الحقيقة.
ما شاهدناه لم يكن مباراة، بل عرضًا سينمائيًا هابطًا، تشويقًا مصطنعًا ونهاية “سعيدة” مضمونة للجامعة المغربية لكرة القدم ورئيسها فوزي لقجع وبالطبع لمشغّليه في القصر المخزني، عرضٌ تفوّق في رداءته أفلام بوليود التهكمية. كل شيء كان في مكانه: إطالة مصطنعة، تمثيل انفعالي، ولقطة ختامية يعرفها المشاهد قبل أن تبدأ. فيلم هندي كامل الأركان، لكن بلا رقص جميل ولا قصة مقنعة.
في المغرب، لم تعد كرة القدم رياضة، بل أداة. أداة لتلميع صورة، وامتصاص غضب، وتخدير وعي، وتصدير وهم “الإنجاز”. وما ركلات الترجيح هذه إلا المشهد الأخير في مسرحية طويلة عنوانها: النتيجة أهم من اللعبة، والصورة أهم من الحقيقة.
نورة فتحي، الراقصة المغربية، نجحت في الهند لأنها قدّمت استعراضات فاضحة داخل قواعد واضحة: جمهور يصفّق للعفن الهابط ويحاسب، وسوق لا يعترف بالولاء بل بالقبح، أما في كرة القدم “المخزنية”، فالموهبة وحدها لا تكفي. المطلوب هو الرقص في المكان الصحيح، وأمام الشخص المناسب.
فوزي لقجع لم يرقص للجمهور، بل رقص لموتسيبي. رقصٌ سياسي إداري، بلا خجل ولا أخلاق رياضية، فكانت النتيجة “نجاحًا” فوق أرض تُدار فيها الكرة بمنطق الصفقات والعلاقات، لا بمنطق المنافسة والعدالة. حين تتحول الكاف إلى صالون مجاملات، تصبح ركلات الترجيح مجرد إجراء شكلي لإضفاء الشرعية على قرار متخذ سلفًا.
أما السنغال؟ فقصتها موجعة. منتخب قوي، تاريخي، يُقصى خارج السباق. “دارولها الداي داي”، وأُخرجت من المشهد بهدوء، لأن السيناريو لا يحتمل مفاجآت، ولأن البطولة لا تتسع إلا لمن أُعدّت لهم الأدوار مسبقًا.
هذا ليس هجومًا على اللاعبين، ولا على الشعب المغربي، بل إدانة صريحة لمن اختزل الرياضة في وظيفة سياسية. كرة القدم وُجدت لتوحيد الشعوب عبر التنافس النزيه، لا لتكريس الهيمنة الناعمة، ولا لتغطية على إخفاقات داخلية، ولا لتحويل الملاعب إلى امتداد للقصر الملكي ومكاتب المخزن.
المشكلة ليست في فوز المغرب، بل في الطريقة. ليست في الكأس، بل في الثمن البخس الذي يُدفع: قتل الثقة، اغتيال المنافسة، وتحويل الجمهور إلى كومبارس في فيلم يعرف نهايته قبل أن تُعرض إشارات البداية.
هكذا، لم نشاهد مباراة. شاهدنا عرضًا مسرحيا رخيصا.
وللأسف، حين تتحول الكرة إلى مسرح، يصبح الانتصار مجرد كذبة بائسة.. لا أكثر.
