الأربعاء 18 فيفري 2026

فضيحة هدم بلا بدائل ولا شفافية: المخزن يرمي أسرًا إلى الشارع

نُشر في:
فضيحة هدم بلا بدائل ولا شفافية: المخزن يرمي أسرًا إلى الشارع

تتوالى المؤشرات على أن قرارات الهدم التي تنفذها سلطات بلدية الدار البيضاء المغربية لم تعد ترتبط بأي تصور حضري أو اعتبارات اجتماعية، بقدر ما تحولت إلى أوامر فوقية جاهزة تُنفذ “تحت الطلب” وبغطاء إداري هشّ، في مشهد يختزل عمق الارتباك والتخبط الذي يطبع تسيير الشأن المحلي في كبرى مدن المغرب. فالمعطيات التي كشفها رئيس فريق العدالة والتنمية المغربي بالمجلس البلدي، عبد الصمد حيكر، لا تفضح فقط غياب الشفافية، بل تكشف خللاً بنيوياً أخطر: مؤسسات منتخبة منزوعـة القرار، تكتفي بتوقيع ما يرد إليها دون علم أو نقاش أو مساءلة.

إن تذرّع عمدة المدينة بالاستجابة لدورية صادرة عن وزير الداخلية لتبرير عمليات هدم طالت أسواقاً ومساكن وشردت أسرًا في عزّ السنة الدراسية وتحت ظروف مناخية قاسية، يفضح منطق “التعليمات الفوقية” الذي يحكم تدبير المدينة، ويؤكد أن المنتخبين المحليين ليسوا سوى واجهة شكلية لقرارات تُصنع خارج المؤسسات. والأدهى أن النقاش حول هذه القرارات يتم تجنبه عمداً، سواء عبر رفض إدراج الموضوع في جدول أعمال المجلس أو عبر إبقاء اجتماعات لجنة التعمير في دائرة السرية، بما يعكس خوفاً واضحاً من مساءلة علنية قد تفضح حقيقة ما يجري.

ما يحدث في الدار البيضاء المغربية ليس مجرد أخطاء تسييرية معزولة، بل يعكس نمط حكم قائم على تغوّل السلطة الإدارية لنظام االمخزن على القرار المحلي القريب من الشعب، وتحويل المجالس المنتخبة إلى مكاتب تصديق. فحين تُهدم أحياء وأسواق دون برامج بديلة أو حلول لإعادة الإيواء، وحين يُرمى المواطنون المغاربة إلى المجهول باسم السلامة أو “الآيلة للسقوط”، فإن الأمر يتجاوز العمران إلى سؤال أعمق: من يحكم المدينة فعلياً؟ ومن يتحمل كلفة قرارات تُتخذ في الظل وتُنفذ فوق رؤوس الفئات الهشة؟

إن صورة الدار البيضاء التي ترسمها هذه الوقائع هي صورة مدينة تُدار بمنطق الأوامر لا التخطيط، وبسياسة الهدم لا التنمية، وبمقاربة أمنية لا اجتماعية. وهي، في الجوهر، مرآة لطبيعة منظومة حكم لا ترى في المجالس المنتخبة سوى أدوات تنفيذ، ولا في المواطن المغربي سوى رقم يمكن شطبه من الخريطة متى اقتضت “التدخلات”. وفي ظل هذا الواقع، يصبح الهدم ليس مجرد إجراء عمراني، بل عنواناً لسياسة إقصاء اجتماعي تُمارس ببرود بيروقراطي، وتُشرعن بذرائع تقنية، بينما ثمنها الحقيقي تدفعه الأسر والتجار والمواطنون البسطاء.

رابط دائم : https://dzair.cc/0ceq نسخ

اقرأ أيضًا