لم تكن الفيضانات العنيفة التي ضربت إقليم القصر الكبير مجرد حادث طبيعي طارئ، بقدر ما كانت تعبيراً صارخاً عن فشل مزمن في تدبير المخاطر لنظام المخزن وحكومته وسلطاته، وعن أعطاب بنيوية راكمها عبر سنوات من الإهمال والتهميش المجالي. هذا ما خلصت إليه هيئة المحامين بطنجة، التي حمّلت بشكل غير مباشر الدولة مسؤولية ما آلت إليه أوضاع ساكنة الشمال، في واحدة من أكثر الكوارث دلالة على فشل السياسات العمومية وغياب الجاهزية.
فبحسب الهيئة، كشفت السيول الجارفة التي اجتاحت المنطقة عن ضعف خطير في البنيات التحتية، وغياب منظومة وقاية فعالة، واستمرار التعامل مع المناطق الهشة بمنطق التسيير الأدنى بدل التخطيط الاستباقي. وهي معطيات تؤكد أن الكارثة لم تكن قدراً مفاجئاً، بل نتيجة طبيعية لتراكم اختلالات هيكلية طالما نبهت إليها تقارير رسمية وحقوقية دون أن تجد طريقها إلى التنفيذ.
من الكارثة الطبيعية إلى المسؤولية السياسية
اللافت في موقف هيئة المحامين هو نقل النقاش من مستوى التعاطي الإنساني الظرفي إلى مستوى المسؤولية القانونية والدستورية. إذ شددت على أن ما جرى يفرض مساءلة حقيقية للسياسات العمومية، لا الاكتفاء ببلاغات التعاطف أو وعود الدعم المؤجلة.
وطالبت الهيئة بإصدار إعلان حكومي رسمي يعتبر إقليم القصر الكبير منطقة منكوبة، استناداً إلى مقتضيات الدستور، وخاصة الفصل 21 الذي يُلزم السلطات العمومية بحماية سلامة المواطنين وممتلكاتهم، والفصل 31 الذي يفرض تعبئة كل الوسائل لضمان شروط العيش الكريم، خصوصاً في حالات الأزمات والكوارث. غير أن هذا الإعلان، الذي يفترض أن يكون إجراءً بديهياً في مثل هذه الحالات، لا يزال متعثراً، ما يطرح أسئلة جدية حول إرادة الدولة في الاعتراف بحجم الكارثة.
صندوق الكوارث.. قانون معطّل وحقوق مهدورة
أكثر ما يثير القلق، وفق المحامين، هو التأخر المستمر في تفعيل القانون رقم 110.14 المتعلق بتغطية عواقب الوقائع الكارثية. فهذا القانون يجعل من الإعلان الرسمي عن الكارثة شرطاً أساسياً لتمكين الضحايا من حقهم في التعويض. ومع ذلك، تواصل السلطات ترددها، في سلوك يُنظر إليه على أنه مساس مباشر بحقوق دستورية واضحة.
إن تعطيل “صندوق الكوارث” في لحظة يفترض فيها أن يكون أداة إنصاف عاجلة، يعكس منطقاً مخزنياً قديماً: الاعتراف المتأخر، التسيير البطيء، وتحميل الكلفة الاجتماعية للفئات الأكثر هشاشة. وهو ما ينذر، بحسب الهيئة، بتفاقم الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية للمتضررين، خاصة في ظل تدمير المساكن والبنيات التحتية ومصادر العيش.
التهميش المجالي كسياسة مستمرة
أبعد من التسيير التقني للأزمة، يضع هذا الملف مجدداً مسألة التهميش المجالي في صلب النقاش. فإقليم القصر الكبير، كما مناطق أخرى في الشمال، ظل لعقود خارج أولويات الاستثمار العمومي الحقيقي، ما جعله أكثر عرضة للكوارث الطبيعية. وتؤكد هيئة المحامين أن غياب مقاربة إنصاف مجالي حقيقية هو ما حوّل الأمطار الموسمية إلى مأساة إنسانية.
ودعت الهيئة إلى اعتماد استراتيجية وطنية وقطاعية شاملة، تنهي منطق الترقيع وتؤسس لمسار تنموي عادل ومستدام، يربط بين الوقاية من الكوارث، والتنمية المحلية، والعدالة المجالية. كما شددت على ضرورة إشراك الفاعلين المحليين وهيئات المجتمع المدني في تتبع مسار الدعم وإعادة الإعمار وتعويض الضحايا، تفادياً لإعادة إنتاج نفس الأعطاب.
اختبار جديد لانعدام مصداقية دولة المخزن
تكشف فاجعة القصر الكبير، مرة أخرى، الهوة الواسعة بين الخطاب الرسمي حول “الدولة الاجتماعية” وبين واقع التسيير المخزني للأزمات. فغياب السرعة في الإعلان عن المنطقة المنكوبة، وتعطيل آليات التعويض، والاكتفاء بردود فعل محتشمة، كلها مؤشرات على أن منطق الإهمال لا يزال حاضراً، وأن كلفة هذا الإهمال تُدفع دائماً من جيوب وأجساد الفئات الأكثر هشاشة.
وفي ظل هذا المشهد، لم تعد الكارثة مجرد فيضانات عابرة، بل تحولت إلى امتحان سياسي وقانوني لمدى التزام الدولة بواجباتها الدستورية. امتحان يبدو، حتى الآن، أن المخزن لم ينجح في اجتيازه.
