الجمعة 06 فيفري 2026

قضاء المخزن تحت الطلب وأجهزته الأمنية فوق القانون: كيف تحوّل حراك “جيل زد” إلى مجزرة قضائية

نُشر في:
قضاء المخزن تحت الطلب وأجهزته الأمنية فوق القانون: كيف تحوّل حراك “جيل زد” إلى مجزرة قضائية

ما يجري في محاكم المغرب على خلفية حراك “جيل زد” لم يعد مجرد تجاوزات معزولة أو أخطاء مسطرية، بل بات نموذجاً صارخاً لقضاء مُسخَّر، وأجهزة أمنية تعمل خارج أي رقابة فعلية، في واحدة من أخطر موجات الردة الحقوقية التي يشهدها البلد منذ سنوات. آلاف المتابعات، مئات المعتقلين، وأحكام تُقاس بالقرون، في مشهد لا يشي بدولة قانون، بل بسلطة تُدار بمنطق الردع والعقاب الجماعي.

المعطيات المتوفرة حول هذه الملفات تكشف نمطاً ممنهجاً من الانتهاكات الجسيمة: توقيفات عشوائية في الشارع ومن داخل المنازل، تدخلات أمنية عنيفة وصلت حد الدهس وإطلاق الرصاص، فرض التوقيع على محاضر موحدة، وجرّ الشباب إلى محاكمات سريعة تُفرغ مفهوم العدالة من أي مضمون. نحن أمام مسار قمعي يبدأ في الشارع، ويمر عبر مخافر الشرطة، لينتهي في قاعات محاكم تحولت إلى غرف تصديق على رواية أمنية واحدة.

الأخطر أن المتابعات جرت في أغلبها دون احترام حتى الشروط الشكلية التي ينص عليها قانون المسطرة الجنائية. لا حالة تلبس، لا محاضر معاينة، ولا أدلة مادية، بل اعتماد شبه كلي على تصريحات الأجهزة الأمنية، وكأنها حقيقة مطلقة لا تقبل النقاش. محاضر تُنجز خارج الضوابط، وتُفرض على المتهمين، ثم تُقدَّم للقضاء باعتبارها أساس الإدانة، في انتهاك صارخ لقرينة البراءة.

داخل قاعات المحاكم، تكرّس المشهد ذاته: غياب ضمانات الدفاع، تهم فضفاضة غير مفصلة، رفض استبعاد محاضر الشرطة رغم تناقضها الصريح مع تصريحات المتهمين أمام القضاة، وإحالة مباشرة إلى المحاكمة فور انتهاء التحقيق، دون تمكين حقيقي من إعداد الدفاع. أما مزاعم التعذيب والمعاملة القاسية والمهينة التي صرّح بها المعتقلون، فتم التعامل معها كأنها تفاصيل هامشية لا تستحق حتى فتح تحقيق مستقل.

نتيجة هذا المسار كانت أحكاماً صادمة في قسوتها: عشرات السنين توزَّع بالجملة، وعقوبات إجمالية تصل إلى قرون من السجن. في أكادير وحدها، حُكم على 33 شاباً بـ260 سنة سجناً، وفي مراكش صدرت أحكام تتجاوز 69 سنة في ملف واحد. والأكثر فداحة أن قاصرين جرت متابعتهم أمام غرف جنائية، وبعضهم صدر في حقه حبس نافذ، في خرق فاضح لكل الالتزامات الدولية المتعلقة بحماية الطفولة.

القمع لم يتوقف عند هذا الحد، بل طال شباباً في وضعية إعاقة دون أي مراعاة لوضعهم الصحي، وأشخاصاً معيلين لأسر فقيرة، ما تسبب في مآسٍ اجتماعية ونفسية لعائلات كاملة. التأجيلات المتكررة، الاعتقال الاحتياطي الطويل، وترك بعض المتابعين رهن الاعتقال دون محاكمة، كلها أدوات ضغط تُستخدم لكسر الإرادة الجماعية وبث الخوف في المجتمع.

وفي ملف أحداث القليعة، يتجلى الوجه الأكثر قتامة لهذا النهج، حيث جرت محاولات رسمية لتبرير مقتل شباب بدل البحث الجدي في المسؤوليات. غياب المحاسبة، والتأخر في التحقيق، يؤكدان أن منطق الإفلات من العقاب لا يزال القاعدة، لا الاستثناء.

ما يحدث مع حراك “جيل زد” ليس دفاعاً عن الأمن العام، بل تصفية سياسية وقضائية لحق الاحتجاج السلمي. حين يُعتقل الآلاف لممارستهم حقوقاً دستورية، وحين يتحول القضاء إلى أداة ضبط اجتماعي، فإن الحديث عن إصلاح العدالة يصبح مجرد دعاية رسمية فارغة.

إن استمرار هذه المحاكمات الجائرة، ورفض الإفراج عن المعتقلين، وتجاهل المطالب بفتح تحقيقات مستقلة، يضع المخزن أمام مسؤولية مباشرة في تدمير ما تبقى من الثقة في القضاء والمؤسسات. فالدولة التي تُجرّم الاحتجاج، وتُكمّم الشباب بالسجن، لا تحمي الاستقرار، بل تزرع بذور الانفجار.

حراك “جيل زد” كشف الحقيقة العارية: سلطة تخاف من الشارع، فتستقوي بالأمن، وتستعمل القضاء كسوط. وفي مواجهة ذلك، يبقى الإفراج الفوري عن جميع المعتقلين، وإسقاط المتابعات، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، الحد الأدنى لاستعادة معنى العدالة في بلد تُدار فيه اليوم بمنطق القوة لا القانون.

رابط دائم : https://dzair.cc/k6n0 نسخ

اقرأ أيضًا