لم يعد بنيامين نتنياهو يخاطب العالم بوصفه شريكًا طبيعيًا في حربه، بل بوصفه ساحةً إضافية يريد استدراجها إلى المواجهة. لكن ما تكشّف في الأيام الأخيرة هو أن هذا الاستدراج يصطدم بجدار سياسي أوروبي متماسك نسبيًا، حيث تعكس تصريحات وزير النقل الإسباني أوسكار بوينتي رفضًا صريحًا للانخراط في الحرب على إيران وفتح مضيق هرمز، وقال: “لن نذهب معك حتى إلى نهاية الشارع، أيها المُجرم المهوس بالإبادة الجماعية. استوعب هذا جيدًا”.
هذا الموقف الإسباني ليس تفصيلًا محليًا، بل مؤشرًا واضحًا على المزاج الأوروبي والغربي ككل: عدم الاستعداد لأن يكون طرفًا في مغامرة عسكرية أميركية-صهيونية ضد إيران، ووعي متزايد بالكلفة السياسية والاقتصادية لهذه الحرب، فقد أعلنت ألمانيا صراحة رفضها لأي مشاركة، فيما شددت فرنسا على أنها ليست طرفًا في النزاع، وأكدت القيادة الإسبانية أن أي تصعيد عسكري ضد إيران هو “متهور وغير قانوني”.
الأهم أن هذا الرفض لم يأتِ من فراغ أخلاقي فقط، بل من إدراك متزايد أن الحرب لا تملك مخرجًا واضحًا، وأن أهدافها المعلنة ما تزال معلّقة، فبحسب رويترز، قال مسؤولون أوروبيون إنهم لا يريدون دخول حرب لم يُمنحوا فيها أي دور في قرارها، ولا يرون لها نهاية واضحة، بينما واجه ترامب صعوبات حتى في حشد أقرب حلفائه للمشاركة في “فتح” مضيق هرمز بقوة عسكرية.
في الحالة الإسبانية، لا تبدو المسألة مجرد موقف دبلوماسي هادئ، بل انعكاسًا لتحول مزاجي أعمق. فإلى جانب رفض مدريد استخدام قواعدها العسكرية لأي مسار هجومي مرتبط بالحرب على إيران، أظهرت استطلاعات الرأي معارضة واسعة للحرب، فيما اتخذت الحكومة إجراءات اقتصادية طارئة لتخفيف أثر ارتفاع أسعار الطاقة. وحتى الخطاب السياسي الإسباني اتجه إلى نبرة أكثر صلابة في رفض التبعية، ما يجعل الرد العلني الحاد للوزير الإسباني على نتنياهو علامة رمزية على أن لغة الصمت القديمة لم تعد قائمة.
وتزداد دلالة هذا التحول حين نضعه في سياق موقف الاتحاد الأوروبي نفسه، الذي دعا إلى وقف الضربات على منشآت الطاقة والمياه في الشرق الأوسط، وإلى التحرك لحماية الملاحة في مضيق هرمز بعد استقرار الأوضاع، بدلًا من الانخراط في مغامرة عسكرية مفتوحة. يكشف هذا الموقف أن أوروبا، في جوهرها، تخشى الكلفة الاقتصادية أكثر مما تشتريها الرواية الحربية، لأن أي اهتزاز في هرمز يعني ارتفاع أسعار النفط (115 دولارًا للبرميل حاليًا، مع توقعات للوصول إلى 150–175 دولارًا)، وتأثر سلاسل الإمداد ومعادلات الاستقرار الداخلي.
وهنا بالضبط تتبدل اللغة الغربية: من خطاب “الدفاع عن النظام الدولي” إلى خطاب “الاحتواء” و”الاستقرار” و”تجنب الانزلاق”. فحين أعلنت واشنطن أن الرئيس ترامب أرجأ الضربات على البنية الطاقوية الإيرانية بعد “محادثات جيدة ومثمرة”، كان ذلك اعترافًا عمليًا بأن التهديد وحده لم يعد يكفي، وأن كلفة التصعيد أعلى من القدرة على تحمّل نتائجه، خاصة بعد أن ارتفعت أسعار النفط ثم تراجعت الأسواق فور صدور قرار التأجيل.
ولا يمكن فصل هذا كله عن حقيقة أن الحرب لم تحقق أهدافها السياسية الكبرى. فحتى بعد أسابيع من القصف والتصعيد، أعلنت “إسرائيل” أنها “فازت” بالحرب على إيران، لكنها في الوقت نفسه اعترفت بأن الأهداف لم تُنجز بعد، وأن الحديث عن تغيير النظام ليس واقعيًا في المدى القريب، بينما أظهرت تقارير أخرى أن بنية الحكم الإيرانية بقيت متماسكة، وأن الجيش والحرس الثوري ما زالا يمسكان بمفاصل الداخل. بعبارة أخرى: الصخب الإعلامي ارتفع، لكن الحسم لم يقع.
من هنا، يمكن قراءة الرفض الأوروبي المتصاعد باعتباره أكثر من مجرد تردد تكتيكي؛ إنه مؤشر إلى أن الغرب، أو جزءًا مهمًا منه على الأقل، لم يعد مستعدًا لدفع ثمن مغامرة صهيونية-أميركية لا تملك ضمانات النصر، ولا تحظى بتفويض سياسي أو شعبي. والرسالة التي باتت تتكرر من مدريد إلى برلين، ومن باريس إلى لندن، هي أن الحرب على إيران قد تكون حرب نتنياهو وترامب، لكنها ليست حرب أوروبا، ولا يبدو أن أحدًا في أوروبا يريد أن يتحول إلى ذراعٍ لتمديدها.
