الخميس 15 جانفي 2026

مناورات أوروبية في القطب الشمالي.. هل بدأ فصل جديد في علاقات بروكسل مع واشنطن يؤشر على منحى جديد في مستقبل الناتو؟

نُشر في:
مناورات أوروبية في القطب الشمالي.. هل بدأ فصل جديد في علاقات بروكسل مع واشنطن يؤشر على منحى جديد في مستقبل الناتو؟

لم تعد التحركات العسكرية في القطب الشمالي تُقرأ بوصفها تدريبات روتينية أو مناورات تقنية معزولة عن سياقها السياسي. فالمشاركة المتزامنة لكل من الدنمارك وكندا وألمانيا في تدريبات عسكرية بهذا الفضاء الحساس تمثل تطورًا مفصليًا في مسار العلاقات الاستراتيجية داخل المعسكر الغربي، وتحمل دلالات أعمق بكثير من مجرد رفع الجاهزية أو تعزيز التنسيق العملياتي. نحن أمام رسالة سياسية–أمنية مركّبة، موجّهة في آن واحد إلى واشنطن وموسكو وبكين، لكنها، في جوهرها، تعكس تحوّلًا أوروبيًا في طريقة إدارة الشراكة مع الولايات المتحدة.

الرسالة المبطّنة إلى واشنطن.. ضبط الحليف لا مواجهته

حين تجتمع قوات دنماركية وكندية وألمانية في القطب الشمالي، فإن أوروبا لا تخاطب روسيا كما جرت العادة في مناورات الناتو، بل توجّه خطابًا محسوبًا إلى الولايات المتحدة نفسها. فالمعنى الضمني واضح: أوروبا ليست فراغًا أمنيًا، وليست عاجزة عن التحرك دون المظلة الأمريكية، حتى في أكثر المناطق حساسية جيوسياسيًا.

هذا التحرك لا يعني قطيعة ولا عداءً مع واشنطن، لكنه يعبّر عن رفض صريح لمنطق الضغط الأحادي، ورفض تحويل غرينلاند إلى ورقة تفاوضية داخل السياسة الأمريكية، سواء في سياق انتخابي أو ضمن حسابات القوة العظمى. الأهم نفسيًا واستراتيجيًا، أن هذه هي المرة الأولى منذ الحرب الباردة التي تُظهر فيها أوروبا استعدادًا للتحرك العسكري الرمزي ليس لردع روسيا، بل لتقييد سلوك أمريكي محتمل. وهو تطور غير مسبوق داخل بنية الناتو، التي اعتادت تاريخيًا أن تُوجَّه قوتها إلى الخارج لا إلى ضبط توازناتها الداخلية.

ماذا تقول أوروبا فعليًا؟.. السيادة داخل التحالف

أوروبا لا تقول “نستغني عن أمريكا”، بل تقول بوضوح: الشراكة لا تعني التبعية، والسيادة ليست قابلة للمساومة حتى مع الحليف الأقرب. وجود قوات دنماركية، باعتبارها الدولة المعنية مباشرة بغرينلاند، إلى جانب قوات كندية بوصفها شريكًا أطلسيًا شماليًا، وقوات ألمانية كقوة أوروبية مركزية، يعني عمليًا تدويل الدفاع عن غرينلاند داخل الإطار الغربي نفسه.

بهذا المعنى، تسحب أوروبا الذريعة الأمريكية التقليدية القائلة: “نحن الوحيدون القادرون على حمايتها”. إنها خطوة محسوبة لنزع الاحتكار الأمني، لا لمواجهة واشنطن، بل لإعادة تعريف أدوارها داخل التحالف.

كيف تُقرأ الرسالة في واشنطن؟

داخل الولايات المتحدة، لا تُفهم هذه الخطوة قراءة واحدة. فالبنتاغون، من زاوية عسكرية بحتة، لا يبدو منزعجًا؛ بل يرى في أي تعزيز أوروبي للناتو عامل ردع إضافي ضد روسيا، دون تهديد مباشر للمصالح الأمريكية. أما التيار الترامبي، فيقرأ التحرك باعتباره “تمردًا ناعمًا” وتشكيكًا في القيادة الأمريكية، وقد يوظفه لتبرير خطاب أكثر تشددًا تجاه الحلفاء.

في المقابل، تفهم مؤسسات الدولة العميقة – الخارجية والاستخبارات – الرسالة بدقة أكبر: كل ضغط أمريكي إضافي على الحلفاء الأوروبيين قد يسرّع مسار استقلالهم الدفاعي، وهو سيناريو لا ترغب فيه واشنطن بالكامل، لأنه يضعف قدرتها على توجيه التحالف حتى وإن لم يُسقطه.

نحو تحالف أكثر برودًا وأقل عاطفية

ما نشهده اليوم ليس تفككًا للتحالف الغربي، بل انتقالًا من مرحلة الثقة المطلقة إلى مرحلة توازن المصالح والردع المتبادل. لم تعد الولايات المتحدة الضامن الوحيد للأمن، ولم تعد أوروبا المستفيد الصامت. الناتو، في هذا السياق، لن ينهار، لكنه سيتحوّل إلى تحالف أكثر حسابًا، أقل عاطفية، وأكثر وعيًا بتناقضات القوة داخله.

لماذا القطب الشمالي؟

اختيار القطب الشمالي ليس اعتباطيًا. فهي منطقة مستقبلية للصراع العالمي، غنية بالموارد، ومفتوحة على تنافس استراتيجي مع روسيا والصين، لكنها لا تزال “قابلة للضبط” ولم تنفجر بعد. أوروبا اختارت إرسال رسالة مبكرة في مسرح منخفض التصعيد، بدل انتظار انفجار أزمة كبرى في البلطيق أو شرق أوروبا، حيث تكون الكلفة أعلى والخيارات أضيق.

في الأخير فإن ما تعنيه هذه التدريبات يتجاوز الجغرافيا العسكرية. إنها مؤشر على أن أوروبا بدأت تتعامل مع الولايات المتحدة كقوة عظمى حليفة، لكنها غير مضمونة دائمًا. وأن واشنطن لم تعد قادرة على فرض رؤيتها على الحلفاء دون كلفة سياسية واستراتيجية. كما أن غرينلاند تحولت من جزيرة نائية إلى اختبار حقيقي لمستقبل القيادة الغربية.

في المحصلة، لا نحن أمام قطيعة، ولا أمام تمرد صريح، بل أمام إعادة تفاوض صامتة على قواعد الشراكة داخل المعسكر الغربي، تفاوض يُدار بالرمز العسكري، وبالرسائل الهادئة، لكنه قد يرسم ملامح التحالف الغربي في العقد المقبل.

رابط دائم : https://dzair.cc/o7k0 نسخ

اقرأ أيضًا