الثلاثاء 03 مارس 2026

من «التربية والتعليم» إلى الفوضى: كيف يحوّل المخزن مدرسة المغرب إلى ورشة خراب مُمنهج؟

نُشر في:
من «التربية والتعليم» إلى الفوضى: كيف يحوّل المخزن مدرسة المغرب إلى ورشة خراب مُمنهج؟

في مسلسل طويل من التهافت على الأرقام والشعارات الإصلاحية، يكشف الواقع في المغرب — اليوم أكثر من أي وقت مضى — أن ما يُروّج له من «جودة تعليم» هو مجرد واجهة زائفة تُخفي انهيارًا ممنهجًا لمنظومة التكوين والتربية. مؤخرًا، عكست سلسلة تغييرات تشريعية وسياسات ضغطتها حكومة المخزن على النخبة السياسية هشاشة تصميمها وقصورها في الاستجابة لتطلعات المغاربة.

مشروع القانون المدرسي الأخير — الذي أقرتْه الحكومة وسط ترويج واسع عن “مدرسة للجميع” و”فرص متكافئة” — لم يأت بجديد يُذكر على أرض الواقع سوى فتح الباب على مصراعيه للقطاع الخاص، وتحويل التعليم من حق مدني واجتماعي إلى سلعة تُشترى لمن يدفع أكثر.

وخلف شعارات “جودة التعليم” و”مدرسة المواكبة” يقبع واقع مختلف تمامًا: مدارس عمومية تعاني اكتظاظًا شديدًا في الفصول، نقصًا حادًا في الأطر، وتهميشًا ممنهجًا للمواد الأساسية والإمكانيات البيداغوجية. رغم الوعود الحكومية برفع ميزانية التعليم العام، يبقى السؤال: هل تُترجم هذه الزيادة إلى تحسين حقيقي في الظروف المادية والبيداغوجية للمدرسة العمومية؟

من جهة ثانية، خفت حماس “لجان الإصلاح” المفترض أن تنقذ ما تبقى من هيبة المدرسة العمومية. ففي عهد الحكومة الحالية، تجمّدت معظم هذه اللجان ولم تُعقد اجتماعاتها رغم أن القانون الإطار كان ينص على اجتماعها بصفة دورية — ما يضيّع فرصة حقيقية لتجويد السياسات ومتابعة تنفيذ الإصلاحات.

في الموازاة، يرفض عدد متزايد من الأسر أداء رسوم باهظة في مؤسسات «التعليم الخاص»، خصوصًا مع تدني فعالية التعليم عن بُعد أو جودة التكوين. التوتر بين أولياء الأمور والإدارات الخاصة لم يكن مجرد أزمة طارئة خلال جائحة كورونا، بل انعكاس لجذور أزمة هيكلية: تعليم يتم تحويله إلى بنك أرباح، على حساب الحق في المعرفة.

ومن منظور أبعد، يُظهر هذا التراجع في التعليم فشلًا في تحقيق ما يُسمّى “الدولة الاجتماعية” — فالدولة المغربية، بدل أن تكون الضامنة لتكافؤ الفرص، تراهن على فلسفة السوق والتعاقد. النتيجة: مجتمع مغربي يُعاني من تضاعف الفوارق، وجيل من الشباب يغادر المدارس بلا معرفة حقيقية أو أدوات للعبور نحو المستقبل.

أما في التعليم العالي والبحث العلمي، فالوضع لا يبدو أفضل. القوانين الجديدة ترسم مستقبلًا جامعيًا ضمن “إطار سوقي” واضح، يقترح شراكة موسعة مع القطاع الخاص، وموارد تمويلية خارج الميزانية العمومية وفرض رسوم على برامج دراسية، ما يُضعف من دور الجامعة كفضاء عمومي للتكوين والمعرفة.

النتيجة واضحة: “نجاح” يصعد في التقارير الرسمية، لكنه “فشل” مدوِّن على أرضية الواقع — جيل من التلاميذ يغادر المدرسة بلا كفايات حقيقية، وبلا أمل في أن تكون شهادته جوازًا للمستقبل، وجامعات تُدار بمنطق الربح أكثر من التنمية المعرفية.

ما يثير الاستغراب — أو الغضب — هو أن هذا المسار يبدو مخططًا له بعناية: فبينما يُرفع شعار العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص، تُدار التربية والتعليم بقرارات تُفضّل السوق والخوصصة على خدمة المواطن المغربي؛ تُجمَّد لجان الإصلاح بدل أن تُفعَّل، وتُقدَّم القوانين والتشريعات المتسارعة بدل استراتيجية واضحة ومستمرة.

ومما يزيد الصورة قتامة أن جيلًا بكامله — جيل زد المغربي — لم يعد يقبل هذا الواقع ولا يكتفي بانتقاداته الهادئة. فهؤلاء الشباب الذين وُلدوا في عالم رقمي مفتوح، يمتلكون وعيًا نقديًا أعلى، ويقارنون أوضاعهم التعليمية يوميًا مع تجارب دول أخرى تعيش على بُعد شاشة واحدة. لهذا، أصبح غضبهم أكثر حدّة، وأكثر تنظيمًا، وأكثر جرأة في مواجهة مؤسسات المخزن.

جيل زد لم يعد يبتلع خطاب “الإصلاحات المتعاقبة” ولا “المدرسة المواكِبة” ولا “الجامعة الجديدة”. بالنسبة إليه، كل هذه العناوين مجرد لافتات حكومية مستهلكة تُخفي فشلًا هيكليًا لا يتوقف عند سوء جودة التعليم فقط، بل يتعداه إلى انسداد آفاق التشغيل وغياب مسارات واضحة للمستقبل.

ولعلّ أبرز ما يميز غضب هذا الجيل هو أنه غضب مسلّح بالمعرفة: يعرف أرقامه، يتابع القرارات، يقرأ التقارير، ويمتلك من أدوات التعبير والفضاء الرقمي ما يكشف به التناقضات بين الخطاب الرسمي والواقع اليومي. منصات التواصل أصبحت بالنسبة إليه مساحة احتجاج، توثيق، تفكيك للخطاب المخزني، وأحيانا محاكمة علنية لسياسات تُغرق التعليم بدل إنقاذه.

جيل زد المغربي لا يغضب فقط لأنه يشعر بالغبن داخل المدرسة أو الجامعة؛ بل لأنه يرى بوضوح أن مستقبله يُصاغ من دون استشارته، وأن قرارات مفصلية تُتخذ باسمه دون أن يكون له فيها رأي. لهذا، صار رفضه علنيًا، وصوته أعلى، وتمرده أوسع — وهي مؤشرات تعكس أزمة ثقة عميقة بين الدولة وشبابها.

وفي النهاية، يمكن القول إن أزمة التعليم في المغرب لم تعد مجرد ملف اجتماعي أو اقتصادي، بل تحولت إلى أزمة جيل يشعر بأن بلاده تُراكم الأخطاء فوق مستقبله. وإذا لم يُستمع اليوم لصوت هذا الجيل الغاضب، فإن تكلفة تجاهله ستكون أكبر بكثير من أي إصلاح مؤجل أو قانون مُرحّل.

رابط دائم : https://dzair.cc/crh6 نسخ

اقرأ أيضًا