ما يجري اليوم ليس خللًا تقنيًا، ولا سوء تقدير عابرًا، بل سياسة واعية تتعامل مع الماء بوصفه أداة ضغط، ومع الطبيعة باعتبارها مجالًا للتطويع القسري. المخزن، في سلوكه المائي، لا يخطئ الحساب فحسب، بل يكشف ذهنية سلطة تعتقد أن السيطرة ممكنة على كل شيء: على الجغرافيا، على الموارد، وعلى قوانين الكون نفسها.
الماء لا يعترف بالسيادة المصطنعة، ولا يخضع لمنطق الغلبة. ومع ذلك، اختار المخزن أن يُحوّل الأودية العابرة للحدود إلى أوراق ابتزاز، وأن يخنق مجاريها الطبيعية، متجاهلًا أن العبث بالمياه هو عبث مباشر بأمن البشر والبيئة معًا. هذا ليس تدبيرًا تنمويًا، بل قرار سياسي متهوّر سيدفع الجميع ثمنه.
في الجنوب الغربي، من بشار إلى بني عباس والعبادلة، لم تكن الأودية مجرد تضاريس، بل نظم حياة كاملة. وادي قير ووادي زوزفانة لم يكونا صدفة جغرافية، بل توازنًا تاريخيًا عرفه الإنسان واحترمه. حين قُطعت المياه عن مجراها الطبيعي، لم يُصب التوازن وحده، بل ضُرب الاستقرار البيئي والاجتماعي في الصميم. هذا فعل تتحمل مسؤوليته سلطة المخزن التي قررت أن تتصرف فوق الطبيعة بدل التعايش معها.
السيول التي اجتاحت الرشيدية وفاس لم تهبط من فراغ، ولم تكن “كارثة طبيعية” بريئة كما يُراد تسويقها. إنها نتيجة مباشرة لسياسات مائية عبثية، لاعتقاد أعمى بأن السدود قادرة على مصادرة سلوك الماء إلى الأبد. الطبيعة لم تنتقم، بل صحّحت مسارًا أُجبر بالقوة على الانحراف.
ما يُقدَّم للرأي العام المغربي كـ«إنجازات مائية كبرى» ليس سوى استعراض أجوف، فشل أمام أول اختبار حقيقي. منشآت بلا رؤية بيئية، وخطط بلا فهم عميق لديناميات الماء، وسلطة تعتقد أن الخرسانة أقوى من قوانين الفيزياء. هذا ليس فشلًا تقنيًا، بل فضيحة سياسية وبيئية.
القضية هنا أعمق من نزاع حول موارد، نحن أمام نظام يعتقد أن الماء يمكن تسخيره لخدمة أجندته، وأن الطبيعة ستصمت. لكن الواقع يفضح هذا الوهم: الماء لا يُروَّض، ومن يحاول إخضاعه، إنما يطلق سلسلة من الكوارث لا يمكن التحكم في مآلاتها.
الخلاصة قاسية وواضحة: المخزن، بتعامله مع الماء، لا يهدد بيئة المنطقة فقط، بل يكشف عن عقلية سلطة ترى في الموارد سلاحًا، وفي الطبيعة خصمًا. غير أن الأرض لا تُهزم، والماء لا يُبتز، ومن يعبث بهما، يوقّع بيده على فشلٍ لا يمكن تبريره ولا إنكاره.
