الثلاثاء 24 فيفري 2026

من لجنة القدس إلى ورشات تل أبيب: المغرب يغرق عميقاً في مستنقع التطبيع

نُشر في:
من لجنة القدس إلى ورشات تل أبيب: المغرب يغرق عميقاً في مستنقع التطبيع

تتسارع خطوات الرباط في مسار التطبيع مع الكيان الإسرائيلي، على نحو يثير تساؤلات متزايدة داخل المغرب وخارجه حول حدود هذا التقارب وتداعياته الأخلاقية والسياسية، خصوصًا في ظل استمرار الحرب والدمار في قطاع غزة وتصاعد الغضب الشعبي العربي من سياسات الاحتلال.

ففي الوقت الذي تتواصل فيه المجازر والحصار في غزة، وتتعطل المستشفيات وتُسوّى أحياء كاملة بالأرض، تمضي السلطات المغربية في تعميق علاقاتها مع إسرائيل، سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا، في مسار بدأ رسميًا أواخر 2020 ولم يتوقف منذ ذلك الحين عن التوسع والتمدد.

تناقض الدور والواقع

يطرح هذا المسار مفارقة لافتة؛ إذ يرأس العاهل المغربي محمد السادس لجنة القدس، وهي هيئة يفترض أن تدافع عن المدينة المقدسة وحقوق الفلسطينيين، في حين تتسع الشراكات مع الكيان الذي يحتل القدس ويواصل سياساته الاستيطانية والعسكرية في الأراضي الفلسطينية.

هذا التناقض بين الخطاب الرسمي الداعم للقضية الفلسطينية وممارسات التطبيع المتصاعدة بات محور انتقادات متكررة من قوى سياسية وحقوقية ومكونات واسعة من الشارع المغربي، الذي يشهد منذ سنوات مظاهرات دورية رافضة للعلاقات مع الكيان الصهيوني ومطالِبة بإسقاط التطبيع.

اتفاقات تتوسع رغم الحرب

منذ استئناف العلاقات في ديسمبر 2020 ضمن ما عُرف بـ«اتفاقات أبراهام»، انتقل التعاون المغربي-الإسرائيلي بسرعة إلى مستويات غير مسبوقة، شملت الدفاع والأمن السيبراني والتكنولوجيا والزراعة والطاقة والسياحة.

وقد تُوّج هذا المسار بتوقيع أول مذكرة تفاهم دفاعية بين إسرائيل ودولة عربية، فتحت الباب أمام صفقات تسليح وتبادل خبرات وتدريبات عسكرية، ما جعل التعاون الأمني واجهة رئيسية للتقارب بين الطرفين.

وفي الجانب الاقتصادي، ارتفعت المبادلات التجارية بشكل ملحوظ، مع دخول شركات صهيونية إلى السوق المغربية، بينما شهدت الرحلات الجوية المباشرة بين البلدين نموًا سريعًا، مدفوعًا بحركة رجال الأعمال والسياح.

عمالة مغربية في إسرائيل.. جدل أخلاقي

على صعيد آخر، أثارت تقارير إعلامية متداولة حول تشغيل عمال مغاربة في الكيان الصهيوني، وبعضهم في مناطق قريبة من المستوطنات، موجة استياء واسعة في المغرب وفلسطين، إذ اعتبر منتقدون أن نقل اليد العاملة إلى اقتصاد مرتبط بالاحتلال يطرح إشكالًا أخلاقيًا وسياسيًا عميقًا.

ويرى معارضو التطبيع أن هذه الخطوات تمثل انتقالًا من العلاقات الدبلوماسية إلى أشكال اندماج عملي في منظومة اقتصادية وأمنية مرتبطة مباشرة بسياسات الاحتلال، بما يحمله ذلك من تبعات رمزية ومعنوية على صورة المغرب التاريخية الداعمة لفلسطين.

شارع رافض وسلطة ماضية

يتزامن هذا التوسع في التطبيع مع استمرار الاحتجاجات الشعبية في مدن مغربية عدة، حيث يرفع المتظاهرون شعارات تؤكد أن القضية الفلسطينية «قضية مبدأ لا تقبل المساومة»، وأن التطبيع «خيار سلطوي لا يعكس إرادة المجتمع».

لكن رغم هذا الرفض المجتمعي، تواصل الرباط توسيع علاقاتها مع الكيان الصهيوني، في ما يبدو خيارًا استراتيجيًا ثابتًا، يعيد رسم تموضعها الإقليمي وتحالفاتها الدولية، حتى لو كان الثمن تعميق الفجوة بين الدولة والرأي العام في واحدة من أكثر القضايا حساسية في الوجدان العربي.

صورة تتآكل

اليوم، ومع استمرار الحرب في غزة وتصاعد الانتقادات العالمية لإسرائيل، يجد المغرب نفسه في موقع سياسي وأخلاقي معقد: دولة يرأس ملكها لجنة القدس، لكنها تمضي في شراكة متنامية مع القوة القائمة بالاحتلال.

وبين الخطاب التاريخي الداعم لفلسطين والواقع الجديد للعلاقات الثنائية، تتآكل تدريجيًا الصورة التقليدية للمغرب كفاعل عربي متضامن مع القضية الفلسطينية، لتحل محلها صورة دولة اختارت المضي عميقًا في مسار التطبيع، مهما كان الثمن الرمزي والسياسي.

رابط دائم : https://dzair.cc/u0i4 نسخ

اقرأ أيضًا