حين تدافع الجزائر عن سيادتها وعن مبدأ عدم الارتهان لمحاور مشبوهة، يخرج من يتهمها بـ“العدائية” أو “التصلّب”. لكن الوقائع الأخيرة تضع الأمور في نصابها: لسنا أمام خلاف دبلوماسي عابر، بل أمام نموذج سياسي قائم على تلميع الصورة خارجيًا، ولو عبر بوابات أخلاقية منهارة.
الجدل الذي تفجّر حول اسم هند العويس، مديرة اللجنة الدائمة لحقوق الإنسان في الإمارات، ليس تفصيلاً بروتوكوليًا. فظهور اسمها في نحو 469 وثيقة من ملفات جيفري إبستين، الممول الأميركي المدان في قضايا جنسية كبرى، يكشف شبكة علاقات تتجاوز المجاملات الدبلوماسية إلى صلة شخصية متينة ولقاءات متكررة داخل منزله الخاص في 9 شرق شارع 71 في مانهاتن — العنوان الذي صار لاحقًا رمزًا لواحدة من أكبر الفضائح الأخلاقية في الولايات المتحدة.
علاقات “تتجاوز التعارف”
الوثائق والمراسلات المتداولة تُظهر نمطًا متكررًا من الدعوات واللقاءات. عبارة إبستين الشهيرة: “تعالي لتريني”، لم تكن تُقابل بتحفظ رسمي، بل بتنسيق دقيق للمواعيد: إفطار، غداء، عشاء، تزامنًا مع جولات ثقافية في متحف “المتروبوليتان” أو خلال زيارات خارج الولايات المتحدة إلى بيروت وباريس.
بل إن بعض اللقاءات شملت شقيقتها هالة العويس، ورتّب إبستين لهما اجتماعات مشتركة، بينها لقاء مع محاميه الشخصي ريد وينغارتن في يناير 2012.
الأخطر أن العلاقة اتخذت طابعًا عمليًا: طلب مشورة في نزاع مصرفي مع بنك أميركي، البحث عن محامين لقضايا طلاق وهجرة، تسهيلات شخصية تشمل سيارة وسائقًا وحتى عرض الإقامة في إحدى شققه بنيويورك. هذه ليست صورًا عابرة في حفل استقبال، بل علاقة خدمات ومصالح متبادلة.
محاولة اختراق المؤسسات
تكشف المراسلات أيضًا أن إبستين حاول عبر هذه القناة التقرّب من مؤسسات إماراتية، مقترحًا مؤتمرات علمية في أبوظبي ودعم جوائز بحثية عالمية. صحيح أن بعض هذه الأفكار قوبل — وفق الوثائق — بالرفض الرسمي، لكن السؤال الذي يفرض نفسه:
كيف وصلت شخصية بهذا الثقل الإجرامي إلى هذا المستوى من القرب من مسؤولة على رأس لجنة “حقوق الإنسان” في دولة تقدّم نفسها نموذجًا للتسامح والاعتدال؟
عندما تسقط “القوة الناعمة”
الإمارات بنت خلال العقدين الماضيين سردية “القوة الناعمة”: معارض دولية، مؤتمرات حوار الأديان، لجان حقوق إنسان، مبادرات إنسانية. لكن ما تكشفه هذه الوثائق ينسف الأساس الأخلاقي لهذه السردية.
فالدبلوماسية ليست صورًا براقة في أروقة الأمم المتحدة، بل شبكة علاقات تعكس القيم الحقيقية للنظام السياسي. وعندما تتقاطع هذه الشبكة مع أحد أكثر الأسماء سوادًا في سجل الجرائم الأخلاقية الحديثة، فإن الأمر لا يُختزل في “علاقة اجتماعية”، بل يتحول إلى مؤشر على خلل بنيوي في معايير الاختيار والتمثيل.
لماذا موقف الجزائر مبرَّر؟
من هذا المنظور، يبدو الموقف الجزائري المتحفظ — بل والمنتقد — تجاه سياسات أبوظبي الإقليمية أكثر اتساقًا. الجزائر التي ترفض الانخراط في محاور تستثمر في الفوضى أو التطبيع المجاني أو هندسة النفوذ عبر المال السياسي، تجد نفسها اليوم أمام مثال إضافي على ما يمكن تسميته “دبلوماسية الانحطاط الأخلاقي”:
دبلوماسية تقوم على شراء النفوذ، وتبييض السمعة، وبناء جسور مع شخصيات نافذة بغضّ النظر عن سجلها.
ليست القضية شخصية، بل سياسية وأخلاقية.
فحين تكون مديرة لجنة حقوق الإنسان على صلة وثيقة بشخصية أدينت لاحقًا في قضايا استغلال جنسي واتجار بالبشر، فإن الرسالة التي تصل إلى الشعوب واضحة: الحقوق هنا عنوان للاستهلاك الدولي، لا التزامًا مبدئيًا.
قد تحاول أبوظبي التقليل من شأن المسألة، أو اعتبارها “علاقات اجتماعية سابقة للفضيحة”. لكن الوثائق — بما تتضمنه من تواريخ، مواعيد، خدمات متبادلة — تطرح سؤالًا لا يمكن القفز فوقه:
أي مصداقية تبقى لخطاب حقوقي يصدر عن دوائر كانت أبوابها مفتوحة على مصراعيها أمام جيفري إبستين؟
في السياسة، كما في الأخلاق، التفاصيل تصنع الصورة الكبرى.
والصورة التي تتشكل اليوم لا تخدم “القوة الناعمة” الإماراتية، بقدر ما تعزز قناعة أن الجزائر حين تحذّر من هذا النمط من الدبلوماسية، فإنها لا تدافع عن موقف ظرفي، بل عن مبدأ سيادي وأخلاقي واضح: لا شراكة مع منظومات تساوم على القيم.
