الخميس 15 جانفي 2026

المغرب: هدم وترحيل غير قانوني ولا إنساني.. “المحج الملكي” يحوّل فقراء الدار البيضاء إلى ضحايا باسم التجميل الحضري

نُشر في:
المغرب: هدم وترحيل غير قانوني ولا إنساني.. “المحج الملكي” يحوّل فقراء الدار البيضاء إلى ضحايا باسم التجميل الحضري

تتواصل بمدينة الدار البيضاء المغربية عمليات هدم وترحيل واسعة تطال أحياء كاملة بالمدينة القديمة وخارج أسوارها، في سياق تنزيل ما يُسمّى بمشروع “المحج الملكي”، وسط تصاعد الغضب الحقوقي والسياسي، واتهامات صريحة للسلطات المخزن المحلية بانتهاك القانون وتشريد آلاف الأسر دون ضمانات أو تعويضات واضحة.

عدد من الهيئات الحقوقية والسياسية بالمدينة وجّهت، عبر بيان مشترك، انتقادات شديدة اللهجة لما وصفته بعمليات إفراغ وترحيل “غير قانونية وغير إنسانية”، تنفذها ولاية الجهة منذ ديسمبر 2025، معتبرة أن ما يجري لا يمكن فصله عن منطق الاستعجال المرتبط بالتحضير لكأس العالم 2030، حيث تُقدَّم التظاهرات الرياضية كذريعة لتصفية أحياء شعبية كاملة، دون اعتبار لحقوق الساكنة أو كرامتها.

البيان أعاد التذكير بأن مشروع “المحج الملكي” ظل عالقًا لأكثر من أربعة عقود، بسبب اختلالات بنيوية وملفات فساد ونهب للمال العام، وثّقها المجلس الأعلى للحسابات وصدر بشأنها أحكام قضائية. غير أن سلطات المخزن، وبعد عقود من الفشل، قررت فجأة تنزيل المشروع في ظرف قياسي لا يتجاوز أربعة أشهر، عبر أسلوب الصدمة، ودون أي إشراك أو تشاور أو حتى إخبار حقيقي للساكنة المعنية.

وتشير المعطيات الواردة في البيان إلى أن عمليات الإفراغ طالت آلاف الأسر، إلى جانب التجار والحرفيين، في مشهد وصفته الهيئات بـ”العبثي”، حيث تُستعمل الجرافات كأداة تدبير حضري، وتُفرض آجال قصيرة للإخلاء، في عز فصل الشتاء، وفي وسط السنة الدراسية، في انتهاك صارخ للحق في السكن، وللمواثيق الدولية التي صادق عليها المغرب، والتي تجرّم التهجير القسري.

وترى الهيئات الحقوقية أن المفارقة الصارخة تكمن في تقديم “التجميل الحضري” و”الاستعداد للمونديال” كأولوية، في مقابل سحق الحقوق الاجتماعية الأساسية، معتبرة أن الحق في السكن والعيش الكريم لا يمكن أن يكون أقل قيمة من أي تظاهرة رياضية أو مشروع استعراضي، مهما كانت رمزيته.

أما على مستوى التعويضات، فقد سجل البيان غموضًا مقلقًا وغيابًا تامًا للشفافية، حيث تبقى الأسر المتضررة رهينة لتقديرات رجال السلطة، دون وجود قوانين مكتوبة أو معايير معلنة تضمن حقها في تعويض عادل أو إعادة إسكان لائق. وهو ما يفتح الباب، بحسب الموقعين، أمام الزبونية والشطط في استعمال السلطة، ويحوّل مصير مئات العائلات إلى قرارات فردية غير قابلة للمساءلة.

ولا يتوقف الأمر عند الأحياء الواقعة خارج الأسوار، بل يمتد إلى داخل المدينة القديمة نفسها، حيث نبهت الهيئات إلى ما وصفته بمحاولات ممنهجة لإفراغ السكان عبر التلويح بخطر “المنازل الآيلة للسقوط”، في مسعى لإعادة تشكيل النسيج الديمغرافي والتجاري، وتحويل أحياء شعبية إلى فضاءات برجوازية موجهة للسياحة والمطاعم وبيوت الضيافة، في تناقض صارخ مع أهداف “برنامج إعادة تهيئة المدينة العتيقة” المعلن رسميًا.

وفي ظل هذا الوضع، طالبت الهيئات الموقعة بالوقف الفوري لعمليات الهدم والترحيل، إلى حين البت في قانونية الإجراءات المعتمدة، وضمان احترام المساطر القانونية، مع تأجيل أي تدخل إلى ما بعد فصل الشتاء ونهاية السنة الدراسية والجامعية. كما دعت السلطات المنتخبة إلى تحمل مسؤوليتها السياسية، وفتح قنوات تواصل حقيقية وشفافة مع الساكنة، لشرح تفاصيل المشروع، وصيغ التعويض، ومعايير الاستفادة، بشكل علني وواضح.

البيان حمّل المسؤولية الكاملة للوضع الحالي للمجلس الجماعي للدار البيضاء، معتبرا أن ما يجري يكشف مرة أخرى عن أزمة عميقة في تدبير الشأن المحلي، حيث يُقدَّم العمران على الإنسان، وتُختزل المدينة في واجهة إسمنتية، فيما يُدفع الفقراء إلى الهامش، بلا حماية ولا أفق.

ووسط هذا المشهد، يتكرس سؤال جوهري: هل يُبنى “المغرب الحديث” بالجرافات؟ وهل يُعقل أن يُقدَّم كأس العالم على أنقاض بيوت الفقراء؟ أم أن “المحج الملكي” ليس سوى عنوان جديد لسياسات قديمة، تدفع ثمنها دائمًا الفئات الأضعف؟

رابط دائم : https://dzair.cc/tiek نسخ

اقرأ أيضًا