عكست زيارة المبعوث الخاص للرئيس الأميركي دونالد ترامب، والمستشار الرئيسي لشؤون العالم العربي والشرق الأوسط، مسعد بولس، إلى الجزائر، تحوّلاً لافتاً في مقاربة واشنطن للمنطقة المغاربية، وترسيخاً متجدداً لمكانة الجزائر كفاعل محوري في قضايا الأمن الإقليمي وتسوية النزاعات، وعلى رأسها قضية الصحراء الغربية.
وخلال محادثاته في الجزائر العاصمة مع الرئيس عبد المجيد تبون، ووزير الشؤون الخارجية أحمد عطاف، ووزير الطاقة والمناجم محمد عرقاب، أكد المسؤول الأميركي التزام بلاده بـ“تعزيز التعاون” مع الجزائر، سواء في المجالات السياسية أو الاقتصادية أو الدفاعية، مشدداً على أن واشنطن ترى في الجزائر شريكاً استراتيجياً لا غنى عنه في دفع جهود السلام والاستقرار في المنطقة.
ويكتسي هذا الموقف أهمية خاصة كونه يأتي في سياق إقليمي ودولي معقّد، حيث تتزايد التحديات الأمنية في الساحل الإفريقي، وتتقاطع رهانات الطاقة مع حسابات الجغرافيا السياسية، في وقت تتصاعد فيه النقاشات الدولية حول مستقبل تسوية قضية الصحراء الغربية. وقد شملت محادثات بولس مع المسؤولين الجزائريين، بحسب بيان وزارة الخارجية الجزائرية، الأوضاع في إفريقيا، ولا سيما منطقتي الساحل والصحراء الغربية، ما يعكس إدراكاً أميركياً متنامياً لدور الجزائر كقوة توازن إقليمي وصوت عقلاني في معالجة الأزمات.
وفي هذا السياق، تبرز الجزائر، إلى جانب موريتانيا، كطرف أساسي في أي مسار تفاوضي جاد ومستدام بين المغرب وجبهة البوليساريو، بحكم موقعها الجغرافي وثقلها الدبلوماسي، والأهم التزامها المبدئي بدعم الشرعية الدولية وحق الشعوب في تقرير مصيرها. وهو موقف ثابت عبّرت عنه الجزائر مراراً في المحافل الدولية، بما في ذلك داخل مجلس الأمن الدولي، حيث اعتبرت أن أي حل لا يستجيب لتطلعات الشعب الصحراوي المشروعة يبقى قاصراً وغير قابل للحياة.
وتأتي زيارة بولس أيضاً في أعقاب مصادقة مجلس الأمن، في أكتوبر الماضي، على قرار دعا إلى أخذ مقترح الحكم الذاتي المغربي بعين الاعتبار في أي مفاوضات مستقبلية. غير أن الجزائر، التي كانت حينها عضواً غير دائم في المجلس، امتنعت عن التصويت، معتبرة أن القرار لا يرقى إلى مستوى الالتزامات الدولية المتعلقة بحق تقرير المصير، ولا يعكس بشكل متوازن جوهر النزاع كقضية تصفية استعمار.
تحليلياً، تعكس اللهجة الأميركية الجديدة تجاه الجزائر إدراكاً متزايداً بأن مقاربة الاستقرار في شمال إفريقيا والساحل لا يمكن أن تنجح دون شراكة حقيقية مع الجزائر، القائمة على الاحترام المتبادل وعدم فرض الحلول الجاهزة. كما أن التأكيد الأميركي على “تعميق الروابط التجارية والدفاعية” مع الجزائر يعكس اعترافاً بوزنها الاقتصادي والطاقوي، في وقت تبحث فيه القوى الكبرى عن شركاء موثوقين في عالم يشهد إعادة تشكيل موازين النفوذ.
وفي المحصلة، تؤكد هذه الزيارة أن الجزائر نجحت، بفضل ثبات مواقفها الدبلوماسية واستقلالية قرارها السيادي، في فرض نفسها طرفاً لا يمكن تجاوزه في معادلات المنطقة. كما تعكس أن دعمها لحق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره لم يكن يوماً موقفاً ظرفياً، بل خياراً مبدئياً يحظى اليوم بتفهم دولي متزايد، في ظل الحاجة إلى حلول عادلة ودائمة، لا تقوم على الأمر الواقع، بل على الشرعية الدولية واحترام حقوق الشعوب.
