في كل مرة يحاول فيها المخزن تلميع صورته أو الظهور في ثوب “الجار المتضرّر”، يخرج التاريخ من الأرشيف ليصفعه بوثيقة، أو رسالة، أو شهادة لا تقبل التأويل. فالتاريخ، حين يُقرأ بلا انتقائية، يكشف حقيقة مُرّة: سوء الجوار المغربي تجاه الجزائر ليس طارئًا ولا وليد ظرف سياسي عابر، بل سلوك متجذّر ضارب في عمق القرون، منذ عهد السلاطين الذين جعلوا من الدسيسة والاستقواء بالأجنبي منهج حكم، لا استثناءً عابرًا.
تداول الجزائريون، بوعي تاريخي لافت، رسالة عبد السلام الوزاني إلى الحاكم العام الفرنسي بتاريخ 18 أفريل 1888، ليس من باب النكاية، بل من باب التذكير. التذكير بأن الخيانة لم تكن زلة قلم، بل كانت سياسة مكتوبة وموقعة ومُرسلة إلى المستعمر، في وقت كان فيه الشيخ بوعمامة رمزًا للمقاومة والكرامة، يواجه آلة الاحتلال الفرنسي بموارد شحيحة وإيمان صلب.
الرسالة، بصيغتها المهينة ولغتها المتملّقة، ليست مجرد وثيقة قديمة، بل مرآة تعكس عقلية كاملة: عقلية ترى في المستعمر “محبًا في الله”، وتستعجل إخباره بتحركات المقاومين، وتضع نفسها طوعًا في موقع المخبر والوسيط والتابع. أي سقوط أخلاقي هذا؟ وأي تاريخ يُراد اليوم طمسه بالصراخ الإعلامي والافتراءات السياسية؟
ليس من قبيل الصدفة أن يُعاد تداول هذه الوثيقة مباشرة بعد تصريحات رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون لصحيفة لوفيغارو، حين قال بوضوح إن قطع العلاقات مع المخزن كان بديلًا عن الحرب. عبارة ثقيلة المعنى، لكنها دقيقة. فالتراكمات التي تحدث عنها الرئيس ليست خلافات دبلوماسية عابرة، بل سجل طويل من الطعن في الظهر، يبدأ بالوشاية بالمقاومين، ولا ينتهي بمحاولات زعزعة الاستقرار، والتحالفات المشبوهة، والتآمر على وحدة الجزائر وأمنها.
من الشيخ بوعمامة إلى ثورة التحرير، ومن حرب الرمال إلى الأزمات المفتعلة اليوم، يتكرر النمط نفسه: مخزن يخاصم الجغرافيا، ويعادي التاريخ، ويختار دائمًا أن يكون في الصف الخطأ. صف الاستعمار بالأمس، وصف التطبيع والارتهان اليوم. صف المؤامرة بدل صف الأخوّة، وصف الدسيسة بدل صف التضامن المغاربي الحقيقي.
الوثيقة المؤرخة في 18 أفريل 1888 لا تحتاج إلى تعليق مطوّل، فهي تدين نفسها بنفسها. لكنها تطرح سؤالًا لا مفر منه: كيف يجرؤ نظامٌ له هذا الإرث من الوشاية على إعطاء دروس في حسن الجوار؟ وكيف لمن بنى علاقته بالجزائر على البلاغات السرية والمكائد أن يدّعي اليوم البراءة؟
إن استحضار هذه الصفحات السوداء ليس دعوة للثأر، بل تحصين للذاكرة. لأن الشعوب التي تنسى خيانات الماضي، تُفاجأ بها في الحاضر. والجزائر، التي دفعت ثمن مقاومتها دمًا وشهداء، تعلّمت أن التاريخ ليس حكاية تُروى، بل بوصلة يُهتدى بها. ومن لا يواجه ماضيه بصدق، سيظل أسيرًا له، مهما غيّر الأقنعة وتبدّلت الشعارات.

