الثلاثاء 10 مارس 2026

أمينتو حيدر.. “غاندي الصحراء الغربية” التي هزّت عروش الرباط ومدريد

نُشر في:
أمينتو حيدر.. “غاندي الصحراء الغربية” التي هزّت عروش الرباط ومدريد

بعد مرور ستة عشر عامًا على إضرابها الأسطوري عن الطعام، تعود المناضلة الصحراوية أمينتو حيدر إلى واجهة الوعي العالمي، وهذه المرة من بوابة السينما. فيلم وثائقي بعنوان «أمينتو، خمسون سنة من الاحتلال» يكشف وجها آخر من التاريخ المخفي: كيف حاولت مدريد والرباط دفن قضية شعب بأكمله تحت ركام المصالح والصفقات، وكيف واجهت امرأة واحدة دولتين بنزيف جسدها وإرادة لا تنكسر.

الوثائقي الذي أخرجه الصحفية الإسبانية لوسيا مونيوث لوسينا وأنتجته مؤسسة EntreFronteras، عُرض في مهرجان الصحراء الدولي (FiSahara) في مدريد وسط تصفيق طويل وهتافات حارّة: «الصحراء ليست للبيع». وهو ليس مجرد فيلم، بل صرخة سياسية تفضح تواطؤ الحكومات الإسبانية المتعاقبة، من ثاباتيرو إلى سانشيث، في جريمة الصمت والخذلان.

امرأة تتحدّى مملكتين

يروي الفيلم قصة أمينتو حيدر التي طُردت عام 2009 من العيون واحتُجزت في مطار لانزاروتي بعد أن رفضت تسجيل نفسها كمواطنة مغربية، وأصرّت على كتابة عنوانها في العيون – الصحراء الغربية. قرار بسيط في شكله، لكنه فجّر أزمة دبلوماسية بين مدريد والرباط، وأحرج حكومة ثاباتيرو التي انحنت أمام الملك محمد السادس لتفادي الغضب المخزني.

في مواجهة الحصار، أضربت حيدر عن الطعام 32 يومًا حتى كادت تفارق الحياة، لتنتصر أخيرًا وتعود إلى وطنها المحتل مرفوعة الرأس دون أن تعتذر أو تستسلم. لقد أجبرت النظام المغربي على التراجع، وفضحت أمام العالم جبن السياسة الإسبانية التي باعت مبادئها من أجل رضا الرباط.

إسبانيا الرسمية… خيانة بلا أقنعة

الفيلم يسلّط الضوء على الدور المخزي لوزير الخارجية الإسباني آنذاك ميغيل أنخيل موراتينوس، والرئيس ثاباتيرو الذي تحول اليوم إلى لوبي ناعم للمخزن. كلاهما رفض المشاركة في الوثائقي، كما فعل خوسيه ماريا أثنار، لتبقى شهاداتهم غائبة وصمتهم ناطقًا بالإدانة.
في المقابل، يظهر قاضٍ مثل بالتسار غارثون ومحامون وناشطون، ليكشفوا كيف حاولت الدولة الإسبانية رشوة أمينتو بمنزل في ماربيا وجنسية إسبانية مقابل وقف إضرابها. لكنها رفضت، قائلةً: «قد يعيش أطفالي بلا أم، لكنهم لا يمكن أن يعيشوا بلا كرامة».

الوجه الحقيقي للاحتلال المغربي

الوثائقي لا يوفّر النظام المغربي من الاتهام. فالمشاهد تنقل صدى “السجن الأسود” في العيون، حيث مات مئات الصحراويين تحت التعذيب، وتعرض شهادة امرأة نجت من الجحيم لتصبح رمزًا للمقاومة السلمية. إلا أن الرسالة التي تحملها حيدر اليوم أكثر قتامة: «الشباب الصحراويون لم يعودوا يؤمنون بالمقاومة السلمية، لأن العالم خذلهم».

بهذه الكلمات تختصر أمينتو شعور جيلٍ وُلد في المنفى وتربى على الخيبة، بعد أن صادرت الأمم المتحدة حق تقرير المصير، وشرّعت قراراتها الأخيرة بوابة “الحكم الذاتي المغربي” كغطاء جديد للاحتلال.

من “غاندية الصحراء” إلى ضميرها الثائر

الفيلم يرسم ملامح “غاندي الصحراء” كمرآة لضمير أمّة لا تزال مقموعة، لكنه في جوهره يفضح إسبانيا الرسمية التي سلّمت أرضًا وشعبًا مقابل الفوسفات المغربي والحدود الآمنة. فمن مدريد إلى الرباط، تمر خيوط النفاق السياسي مغمّسة بدماء الصحراويين وأوجاع المعتقلين في سجون الاحتلال.

أمينتو حيدر لا تطلب تعاطفًا ولا بطولة. إنها فقط تُذكّر العالم أن هناك شعبًا محاصرًا منذ نصف قرن ينتظر العدالة، بينما تتواطأ الديمقراطيات الغربية في تجميل صورة نظام يقمع، ويقتل، ويصادر الحرية باسم “الاستقرار”.

رابط دائم : https://dzair.cc/sw5t نسخ

اقرأ أيضًا