الثلاثاء 17 مارس 2026

إبستين في القصر: حين تتحول المناسبات السيادية إلى عبء أخلاقي وسياسي على المخزن

نُشر في:
إبستين في القصر: حين تتحول المناسبات السيادية إلى عبء أخلاقي وسياسي على المخزن

لم تعد صور جيفري إبستين في المغرب مجرّد تفصيل عابر في أرشيف قديم، بل تحوّلت، مع نشر وثائق وزارة العدل الأمريكية وتأكيدات إعلامية دولية، إلى محرج سياسي وأخلاقي ثقيل يلاحق النظام المغربي، ويعيد طرح أسئلة كبرى حول طبيعة العلاقات التي نُسجت داخل دوائر الحكم، وحدود المسؤولية الرمزية للدولة.

أن يظهر اسم إبستين، أحد أكثر الشخصيات إثارة للفضائح في التاريخ الحديث، ضمن لائحة ضيوف فعاليات مرتبطة بزفاف الملك محمد السادس سنة 2002، رفقة الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون، ليس حدثًا يمكن المرور عليه بمنطق “لم نكن نعلم”. فالقضية هنا لا تتعلق بتوقيت انكشاف الجرائم فقط، بل بمنطق السلطة، ومعايير الانتقاء، وغياب أي مساءلة لاحقة.

مسؤولية رمزية لا تُمحى بالتبرير الزمني

صحيح أن إبستين لم يكن قد أُدين قضائيًا آنذاك، لكن حضور شخصيات مثيرة للجدل في فضاءات سيادية يفترض وجود حدّ أدنى من التدقيق السياسي والأخلاقي. الدول لا تُدار بمنطق العلاقات الشخصية أو المجاملات العابرة، بل بمنطق الصورة العامة، والمكانة الرمزية، والمسؤولية أمام التاريخ والرأي العام.

والأخطر من الواقعة نفسها هو الصمت الرسمي المستمر. فلا توضيح، ولا تعليق، ولا محاولة لتفسير كيف ولماذا وُجد إبستين في هذا السياق. صمتٌ لا يُقرأ إلا باعتباره استخفافًا بحق المواطنين في الفهم، وتكريسًا لثقافة الإفلات من المحاسبة، حتى في أكثر القضايا حساسية.

حين تختلط السلطة بالنفوذ والمال

تكشف هذه القضية، من زاوية أوسع، عن نمط حكم يفتح أبوابه للنفوذ الدولي المشبوه، ويُراكم العلاقات في الظل، بعيدًا عن أي رقابة ديمقراطية أو شفافية مؤسساتية. فإبستين لم يكن مجرّد “ضيف”، بل كان جزءًا من شبكة نفوذ عابرة للقارات، تجمع المال، وتتحكم في السياسة، وتمارس الابتزاز، وتستثمر في هشاشة الأنظمة المغلقة.

هنا لا يكون السؤال عن الأشخاص، بل عن المنظومة: كيف تُدار العلاقات الخارجية؟ من يقرّر؟ وبأي منطق؟ وهل الدولة، بمؤسساتها، حاضرة فعلًا أم أن القرار يُختزل في دائرة ضيقة فوق أي مساءلة؟

الفقرة الإشكالية في سياقها المشروع

تثير صور حضور جيفري إبستين لفعاليات مرتبطة بزفاف الملك محمد السادس، بصرف النظر عن أي تأويلات شخصية غير مثبتة، أسئلة محرجة حول معايير انتقاء الضيوف في المناسبات السيادية وحدود المسؤولية الرمزية للدولة. فإعادة تداول هذه الصور اليوم تُسلّط الضوء على هشاشة منظومة التدقيق داخل دوائر القرار، وعلى كيفية اختلاط المال والنفوذ بالعلاقات السياسية في غياب الشفافية. القضية هنا لا تتعلق بحياة خاصة، بل بصورة مؤسسة الحكم، وبحق الرأي العام في معرفة كيف ولماذا مُنح شخص سيصير لاحقًا رمزًا لفضائح عالمية موطئ قدم في فضاءات رسمية عالية الحساسية.

نظام يراكم الفضائح ويطلب الصمت

ليست هذه القضية معزولة. فهي تأتي في سياق أوسع من تراكم الفضائح، وتضييق الحريات، وتجريم الاحتجاج، وتكميم الصحافة. نظام يطلب من شعبه الصمت والتكيّف، بينما يرفض هو نفسه أي مساءلة، حتى عندما تُطرح أسئلة مشروعة تتعلق بسمعة الدولة.

إن محاولة تصوير النقاش حول هذه القضية باعتباره “تشهيرًا” أو “استهدافًا” هو هروب إلى الأمام. ما يُطالب به المخزن اليوم ليس أكثر من الشفافية، والتوضيح، وتحمل المسؤولية السياسية والأخلاقية.

قضية إبستين في المغرب ليست عن الماضي فقط، بل عن الحاضر والمستقبل. عن نظام يصرّ على إدارة الشأن العام بمنطق الغموض، ثم يستغرب اهتزاز الثقة. وعن دولة لن تستعيد احترام مواطنيها ولا مصداقيتها الدولية إلا حين تُدرك أن السلطة دون مساءلة تتحول، عاجلًا أم آجلًا، إلى عبء على نفسها وعلى الوطن.

رابط دائم : https://dzair.cc/q75n نسخ

اقرأ أيضًا