إن صفير أول قطار شقّ صمت الصحراء الأزلي في مطلع فبراير 2026، لم يكن مجرد تردّدٍ ميكانيكي عابر؛ بل هو زئير أمةٍ تُعلن عن ميلادها الجديد. إن وصول هذه القافلة الافتتاحية إلى المحطة الجديدة لتندوف ليس مجرد مشهدٍ ختامي لورشة هندسية كبرى، بل هو تدشينٌ لرافعة صناعية قادرة على إعادة هندسة ثقل الجزائر في التوازنات الدولية.
هذه السكة، التي تمتد على مسافة تقارب الألف كيلومتر لتشق طريقاً جديداً نحو العمق الإفريقي، تجسّد طموح دولةٍ قررت استعادة زمام المبادرة ورسم معالم مستقبلها بإرادة وطنية خالصة. فبتحويل موارد الجنوب الغربي إلى قلب المتوسط، تمنح الجزائر نفسها عموداً فقرياً لا يتزعزع؛ فـ «صحراء الحديد» لم تعد جغرافيا معزولة، بل غدت شرياناً ملتحماً بكيان الأمة، محوّلةً تحديات المساحة إلى امتيازات جيوسياسية حاسمة.
يأتي هذا الإنجاز كاستجابةٍ حكيمة لعالمٍ يغلي بالتحولات. فبينما تتهاوى أطر النظام الدولي تحت وطأة الأزمات، تعيد دول الجنوب اكتشاف الحقيقة العارية: السيادة لا تُمنح كمنحة، بل تُبنى بالأفعال. يبرهن التاريخ المعاصر، بمرارة، أن الثروات الخام ليست سوى سيادة منقوصة ما لم تُسيّج باستقلاليةٍ تقنية، وغذائية، وعسكرية. فبدون القدرة على التصنيع والتحويل والردع، تظل الأمم رهينةً لتقلبات الأسواق وإملاءات القوى الكبرى. ومن هنا، صاغت الجزائر عقيدتها الصارمة: لكي تحافظ على استقلاليتك في قرن العواصف، يجب أن تكون عصياً على الغرق.
وفي هذا يكمن الجوهر الحي للرؤية التي أرساها الرئيس عبد المجيد تبون منذ عام 2020: تحصين كيان الدولة عبر بناء دعائم سيادية صلبة. أولى هذه الدعائم هي الأمن الغذائي؛ إذ أدركت الجزائر أن الارتهان لقمح الخارج هو القيد الأول للحرية. وبتحويل الصحراء إلى صوامع كبرى للحبوب، لا تكتفي البلاد بتأمين قوتها، بل تُجهض مبكراً “سلاح الجوع” الذي طالما استُخدم كأداة للإخضاع السياسي.
أما الدعامة الثانية، فتتمثل في التكامل الصناعي الجريء، حيث تقود البلاد قطيعةً تاريخية مع تصدير الخام، واضعةً “التحويل المحلي” في قلب المعادلة. إنها رحلة الانتقال من “مجتمع الاستهلاك” إلى “مجتمع الابتكار”، حيث تُصنع القيمة المضافة فوق ترابنا الوطني.
لكن الرخاء، مهما عظم، يظل هشاً ما لم يحمه درعٌ حصين. لذا، جاء تطوير القدرات الدفاعية ليواكب هذا الصعود الاقتصادي؛ حيث استطاع الجيش الوطني الشعبي أن يكون الحارس الأمين لهذه النهضة، من خلال تحوّلٍ تكنولوجي خاطف شمل الفضاء، والسيبرانية، والصناعة الدفاعية الوطنية. هذه “القوة الصلبة” المستقلة هي التي تمنح الدبلوماسية الجزائرية اليوم صوتها المسموع والمحترم في المحفل الدولي
ومع ذلك، يظل الإنسان الجزائري هو حجر الزاوية؛ فمهندسونا وباحثونا، وأساتذتنا الذين يبنون العقول، وأطباؤنا الحارسون على سلامة الأمة، وجنودنا وضباطنا المرابطون بيقظة، جنباً إلى جنب مع تقنيينا المتخصصين وإطاراتنا المسيرة، هم اللبنات الأساسية لهذا التجديد. إنهم يشكلون النخبة الوطنية الشاملة التي يقاس بها نجاح الأمم، والديناميكية الحالية تهدف إلى إعلاء شأنهم ومنحهم المكانة التي تليق بهم، ليكون الذكاء الوطني هو المحرك الوحيد والنهائي للمصير.
إن رواق تندوف السككي هو شهادة ميلاد لجزائر تستثمر في أرضها بتمويلٍ ذاتي، حاميةً الأجيال القادمة من قيود المديونية والوصاية المالية. اليوم، وبانطلاقها فوق سكك من الفولاذ، تختار الجزائر معسكرها بوضوح: معسكر الدول التي لا تكتفي بقراءة التاريخ، بل تملك الجرأة لصياغته.
لياس ميهوبي
