في سابقة غير مسبوقة، يدخل القضاء المغربي مرحلة شلل مفتوح بعدما أعلنت جمعية هيئات المحامين بالمغرب التوقف الشامل عن تقديم الخدمات المهنية إلى أجل غير مسمى، في خطوة تصعيدية تكشف عمق الأزمة بين الحكومة وجسم يُفترض أنه أحد أعمدة العدالة ودولة القانون. ما يجري لم يعد خلافاً تقنياً حول مشروع قانون، بل تحوّل إلى مواجهة سياسية-مؤسساتية عنوانها العريض: استخفاف السلطة التنفيذية بالشركاء الدستوريين وإصرارها على فرض الأمر الواقع.
قرار المحامين لا يمكن عزله عن السياق العام الذي تدبّر فيه حكومة أخنوش الملفات الحساسة بمنطق الإملاء بدل الحوار، ومنطق الكلفة السياسية المؤجلة بدل معالجة الاختلالات في حينها. فمشروع قانون مهنة المحاماة، كما تصفه الهيئات المهنية، لا يمس فقط تفاصيل تنظيمية، بل يستهدف جوهر المهنة: استقلاليتها، وحصانتها، ودورها كقوة توازن داخل منظومة العدالة. ومع ذلك، اختارت الحكومة الصمت، وتركت الاحتقان يتراكم إلى أن انفجر في شكل إضراب مفتوح يشل المحاكم ويضع حقوق المتقاضين في مهب الريح.
الأخطر في هذا المسار ليس توقف الجلسات أو تأجيل القضايا فحسب، بل الرسالة السياسية التي تُبعث إلى الداخل والخارج: عدالة بلا محامين، وحوار اجتماعي بلا شركاء، ودولة قانون تُدار بعقلية المراسيم لا التوافق. فحين يعلن المحامون مقاطعة التقاضي عن بعد ووقف أداء الرسوم القضائية، فهم لا يدافعون فقط عن مطالب مهنية، بل يقرعون جرس إنذار بشأن تفريغ العدالة من مضمونها وتحويلها إلى إجراء إداري خاضع للسلطة التنفيذية.
محاولة الحكومة تمرير مشروع القانون داخل البرلمان، رغم الرفض الواسع، تكشف خللاً أعمق في فهم معنى الإصلاح. فالإصلاح الحقيقي لا يُفرض بالقوة العددية ولا يُسوق بخطاب “التحديث”، بينما يتم إقصاء الفاعلين الأساسيين. ما يحدث اليوم يعيد إلى الواجهة سؤال استقلال السلطة القضائية نفسه، ويطرح علامات استفهام حول مدى احترام الحكومة لمبدأ فصل السلط، حين تتجاهل تحذيرات المحامين وتدفع بالمؤسسة التشريعية إلى لعب دور الغطاء السياسي بدل فضاء النقاش الديمقراطي.
الاحتجاجات المعلنة، من الندوة الصحفية إلى الوقفة الوطنية أمام البرلمان، ليست مجرد أدوات ضغط، بل تعبير عن انسداد سياسي وقانوني تتحمل الحكومة مسؤوليته الكاملة. وإذا كان المتضرر الأول هو المواطن البسيط الذي تتعطل قضاياه، فإن المسؤول الأول هو سلطة اختارت الصمت والتعنت بدل المبادرة، وفضّلت اختبار قوة الشارع المهني بدل حماية استقرار العدالة.
في النهاية، ما يجري اليوم يختصر أزمة أوسع تعيشها البلاد: حكومة تُراكم الملفات المتفجرة، وتديرها بمنطق التجاهل إلى أن تتحول إلى أزمات وطنية. شلّ المحاكم ليس قدراً، بل نتيجة مباشرة لسياسة ترفض الإصغاء، وتتعامل مع مؤسسات المجتمع القانوني كخصم يجب إخضاعه، لا كشريك لا غنى عنه. وفي ميزان الدول، حين تختل العلاقة بين السلطة والعدالة، لا يكون الخاسر المحامون وحدهم، بل فكرة الدولة نفسها.
