يشكّل إلغاء القمة المصرية-المغربية التي كان مقرراً عقده في القاهرة ابتداءً من العاشر من فيفري الجاري، ضربة دبلوماسية موجعة لنظام المخزن، ليس فقط لأنها جاءت بعد تأجيلات متكررة، بل لأنها كُرّست أخيراً ببلاغ رسمي من مصر يفيد بتعليق اللقاء إلى أجل غير مسمى. وفي الأعراف السياسية بين الدول، لا يُلغى لقاء على مستوى القمة بين بلدين عربيين كبيرين إلا حين يكون منسوب التوتر أو انعدام الثقة قد تجاوز قدرة المجاملات البروتوكولية على التغطية، وهو ما يجعل وقع القرار ثقيلاً على الرباط، التي كانت تراهن على هذا الموعد لتأكيد متانة علاقاتها مع القاهرة وتبديد مؤشرات الفتور المتصاعد في الأشهر الأخيرة.
الصفعة هنا ليست شكلية، بل معنوية وسياسية في آن واحد. فالمخزن الذي سعى طويلاً إلى تسويق صورة شبكة تحالفات عربية متماسكة حوله، وجد نفسه فجأة أمام عاصمة مركزية في النظام العربي تقرر تأجيل قمة معه بلا سقف زمني، وهو ما يُقرأ دبلوماسياً باعتباره رسالة واضحة بأن العلاقات لم تعد في مستوى الشراكة المريحة التي تحرص الرباط على إظهارها. فالقاهرة، المعروفة تاريخياً بحذرها في إدارة الخلافات العربية، لا تلجأ عادة إلى خطوات علنية كهذه إلا حين ترغب في تسجيل موقف محسوب، خصوصاً حين يتعلق الأمر بقمة ثنائية كان يفترض أن تتوّج مساراً من التنسيق السياسي والاقتصادي.
ويأتي الإلغاء في سياق تراكم خلافات تجارية وسياسية بين البلدين، أبرزها التوتر حول دخول الصادرات المصرية إلى السوق المغربية في إطار اتفاقية أكادير، حيث اشتكت القاهرة مراراً من عراقيل إجرائية وقيود غير جمركية فرضتها الرباط، بينما ردت الأخيرة بذريعة حماية صناعتها المحلية. هذا الملف الذي بدأ اقتصادياً تحول تدريجياً إلى عامل احتكاك سياسي، ومع غياب تسوية حقيقية، أصبح انعقاد القمة دون نتائج ملموسة أمراً محرجاً للطرفين، لكن القاهرة اختارت الذهاب أبعد بإلغائها كلياً، وهو ما فُسّر كأداة ضغط دبلوماسي ورسالة عدم رضا واضحة.
الانعكاس الأشد وقعاً على المخزن لا يكمن فقط في الإلغاء ذاته، بل في دلالته الرمزية داخل البيئة العربية. فالمغرب الذي كثّف خلال السنوات الأخيرة رهانه على تحالفات بعيدة جغرافياً، خاصة مع شركاء غربيين، كان في حاجة إلى تثبيت علاقاته التقليدية داخل المشرق العربي لتوازن صورته الإقليمية. غير أن قرار القاهرة أعاد إبراز حقيقة أن علاقاته العربية ليست بالصلابة التي يروّج لها، وأن التباينات في الأولويات والمصالح يمكن أن تترجم إلى مواقف سياسية علنية حين تتراكم الملفات العالقة.
كما أن الإلغاء يضعف السردية الدبلوماسية التي سعى المخزن إلى ترسيخها حول دوره داخل إفريقيا والعالم العربي، إذ إن غياب قمة مع دولة بحجم مصر يبعث إشارة معاكسة تماماً: أن الرباط لم تعد قادرة على ضمان انسجام علاقاتها حتى مع شركاء تقليديين. وفي ميزان السياسة الإقليمية، تُعد مثل هذه الإشارات أكثر إيلاماً من الخلافات الصريحة، لأنها توحي بعزلة نسبية تتشكل بصمت، لا بصدام معلن يمكن احتواؤه.
لهذا كله، يبدو إلغاء القمة المصرية-المغربية أكثر من مجرد تعثر بروتوكولي؛ إنه مؤشر على فتور سياسي متراكم تحوّل إلى موقف دبلوماسي ملموس، ورسالة قاسية تلقاها المخزن في لحظة إقليمية حساسة يسعى فيها إلى تثبيت نفوذه وتحالفاته. وبينما قد تظل القنوات الرسمية مفتوحة، فإن الضرر المعنوي الذي خلّفه القرار سيبقى قائماً، لأنه كشف حدود النفوذ المغربي داخل الدوائر العربية، وأظهر أن شبكة العلاقات التي يفاخر بها النظام يمكن أن تتصدع حين تتعارض المصالح أو تتراجع الثقة.
