السبت 14 مارس 2026

الإهمال في المغرب يقتل أكثر من الكوارث: المخزن ونظام إدارة الموت البطيء

نُشر في:
الإهمال في المغرب يقتل أكثر من الكوارث: المخزن ونظام إدارة الموت البطيء

ليست فاجعتي فاس وآسفي مجرد حوادث عرضية في سجلّ الأقدار، ولا يمكن اختزالهما في “ظروف مناخية قاهرة” أو “انهيارات مفاجئة” كما تحب حكومة المخزن أن تسوّق للرأي العام. ما وقع هو نتيجة طبيعية لسياسة مزمنة من الإهمال، والتقاعس، والاستخفاف بحياة المواطنين المغاربة، سياسة تجعل الموت حدثًا متوقعًا، بل مُدارًا ببرود إداري.

في كل مرة تسقط فيها جثث جديدة تحت أنقاض بنايات آيلة للسقوط أو تجرفها السيول، يخرج المخزن ببلاغه المقتضب: تعازٍ رسمية، ووعود بفتح تحقيق، ثم صمت. هذا السيناريو لم يعد مثيرًا للصدمة، لأنه تكرّر إلى حدّ أصبح معه البلاغ الرسمي جزءًا من طقوس ما بعد الموت، لا خطوة نحو منع الكارثة القادمة.

الخطير ليس فقط في وقوع المأساة، بل في ما يسبقها: تحذيرات متكررة، تقارير برلمانية، نداءات حقوقية، ومع ذلك لا تحرّك فعليًا، ولا قرارات وقائية، ولا مساءلة حقيقية. وكأن المخزن اختار أن يدير المخاطر بدل أن يمنعها، وأن ينتظر سقوط الضحايا ثم يُحصيهم بدل أن يحميهم.

حين يتحدث نواب في البرلمان عن مئات الآلاف من المواطنين المهددين بالموت داخل بيوتهم، ولا يحدث شيء، فنحن لا نكون أمام خلل إداري عابر، بل أمام فشل سياسي بنيوي. فالدولة التي تعرف الخطر وتملك الوسائل القانونية والمالية للتدخل ولا تفعل، تتحول من “سلطة حامية” إلى شريك صامت في الجريمة.

أما صندوق التعويض عن الكوارث، الذي يُفترض أن يكون صمّام أمان اجتماعي، فقد حوّلته حكومة المخزن إلى مهزلة تشريعية. شروط تعويض خيالية، معايير منفصلة عن الواقع، ومنطق بيروقراطي يجعل المتضرر يشعر أن الكارثة الحقيقية ليست الفيضان أو الانهيار، بل الاصطدام بإدارة بلا قلب ولا محاسبة.

المخزن لا يحكم فقط بالقرارات، بل باللامبالاة. لامبالاة تجاه المدن العتيقة المتآكلة، تجاه الفقراء القاطنين في بنايات مهددة، تجاه الأرواح التي تُختزل في أرقام بعد أن تُزهق. في هذا النظام، لا تتحرك الدولة إلا بعد أن يُوارى الضحايا الثرى، ثم تُطوى الصفحة في انتظار فاجعة جديدة.

إن أخطر ما في هذا النموذج من الحكم، أنه ينزع الطابع الاستثنائي عن الموت الجماعي، ويحوّله إلى نتيجة عادية لسوء التدبير. وحين تصبح الفواجع متكررة، وتبقى السياسات نفسها، فإن السؤال لم يعد: لماذا وقعت الكارثة؟
بل: لماذا يُصرّ المخزن على إعادة إنتاجها؟

ما يحتاجه المغرب ليس مزيدًا من البلاغات ولا خطابات التعاطف المصطنع، بل قطيعة حقيقية مع منطق الإفلات من المسؤولية، وربط صارم بين السلطة والمحاسبة. إلى أن يحدث ذلك، ستبقى الكوارث تتكاثر، وسيبقى المخزن يدير الموت بدل أن يحمي الحياة.

رابط دائم : https://dzair.cc/ndgo نسخ

اقرأ أيضًا