هل يمكن للعقل أن يتصور حياة شتاء قارس داخل خيمة؟ هل يمكن للبشر أن يتخيلوا أن هناك من يعجز عن تأمين أبسط متطلبات الحياة الكريمة؟ نحن، داخل منازلنا بين الجدران، نشعر أحيانًا بضيق الدنيا وصعوبة الحياة، فما بالكم بمن يعيشون في قلب البرد القاسي وسط مخيمات لا تصمد أمام المطر ولا الفيضانات.
مخيمات لا تقدم الدفء ولا غطاء لستر أحلام أطفال غزة، التي أصبحت محصورة فقط في مجرد الحصول على خيمة.
أسأل أمتنا العربية والإسلامية، ماذا سنقول لله سبحانه وتعالى؟ كيف سنجيب حين يُسألنا عن تقصيرنا في حق إخواننا؟ هل سنقول إننا خذلناهم ولم نكن لهم سندًا؟ ماذا عن هذا الظلم الذي ينهش حياة الأطفال الأبرياء؟ كأم ليست أمهم، أشعر بالتوجع كلما شاهدت تلك المشاهد التي تأسر القلب وكأن هؤلاء الأطفال قطع مني. فكيف بأمهاتهم وآبائهم وهم يفقدونهم واحدًا تلو الآخر؟
في هذا الشتاء القاسي، رحل عن عالمنا الرضيع محمود الأقرع بسبب البرد، وطفلة صغيرة تدعى ملك رامي غرقت مع خيمتها في مخيم النصيرات. وغيرهم الكثير من الأطفال فارقتهم أرواحهم الصغيرة التي لم تقوى على مقاومة شدة الطقس القاسي.
هل يدرك أحد أن 330,500 وحدة سكنية في غزة قد تضررت بفعل القصف، منها أكثر من 102,000 منزل دُمر بالكامل؟ وأصبحت حياة الناس عبارة عن تشرد، نساء وأطفال بلا مأوى، دون ذنب أو جُرم ارتكبوه.
أحلامهم باتت مختزلة في كلمة واحدة: خيمة. عندما تسأل أحد سكان غزة عما يحلم به، تجد الإجابة “خيمة”. فيا أيها التاريخ، أكتب عن هذه المرحلة التي تُظهر كم تدنت الحياة الإنسانية.
لو كان بإمكان العالم أن يوزع السلام، لماذا هناك من يبخل حتى بمنح الأطفال مجرد أمن بسيط؟ لماذا كل هذا الظلم؟ أطفال اليوم في فلسطين لا يحملون حقائب المدرسة ككل الأطفال الآخرين، بل يحملون أواني فارغة على أمل أن يحصلوا على كسرة خبز تسد الرمق.
قدما الطفل الفلسطيني أصبحت حافية، تُواجه الأرض الباردة بلا حماية من البرد القارس، وأجسادهم الصغيرة تختبئ وراء خيم مهترئة لا تشد عنهم صقيع الشتاء ولا تمنحهم دفء الأمان.
هذه ليست معاناة عادية بالتأكيد. إن ما يواجهه أطفال غزة يقع فوق قدرة البشر على التحمل، ومع ذلك يكافحون ببقايا قوتهم الصغيرة نحو مستقبل مغيب خلف ستائر الألم والمأساة.
