الأربعاء 18 فيفري 2026

الثلوج تفضح أكاذيب المخزن: عزلة قاسية لساكنة الجبال في مواجهة الإهمال الرسمي

نُشر في:
الثلوج تفضح أكاذيب المخزن: عزلة قاسية لساكنة الجبال في مواجهة الإهمال الرسمي

رغم المشاهد الخلابة التي خلفتها التساقطات الثلجية بعدد من المناطق الجبلية بالمغرب، إلا أن الوجه الآخر لهذه الظاهرة الطبيعية يكشف واقعاً اجتماعياً قاسياً، حيث وجدت آلاف الأسر نفسها محاصَرة وسط البرد والجوع وانعدام الخدمات الأساسية، في مشهد يتكرر كل شتاء ويعيد طرح سؤال مسؤولية السلطات المغربية في حماية مواطنيها.

فالثلوج، التي يفترض أن تكون موسمية ومتوقعة، تحولت مرة أخرى إلى عامل تعميق لمعاناة بنيوية تعيشها ساكنة الجبال، بعدما عزلت العديد من الدواوير لأسابيع، وأغلقت الطرق الجهوية والإقليمية، وقطعت شرايين الحياة عن مناطق تعتمد كلياً على هذه المسالك في التزود بالغذاء، والولوج إلى العلاج، وضمان الحد الأدنى من العيش الكريم.

ورغم الإعلان المتكرر عن تدخلات لفك العزلة، تؤكد الوقائع الميدانية أن هذه الجهود تظل محدودة وغير كافية، إذ لا تزال دواوير عديدة محاصَرة، في ظل ضعف كاسحات الثلوج، وغياب الجاهزية الاستباقية، وتأخر التدخلات، ما يجعل السكان في مواجهة مباشرة مع الطبيعة بوسائل بدائية لا تليق بدولة ترفع شعار “التنمية” و“الدولة الاجتماعية”.

هذا الواقع لم يمر دون مساءلة سياسية، حيث وجه برلمانيون من كتل نيابية مختلفة في البرلمان المغربي أسئلة كتابية إلى حكومة المخزن، أبرزت حجم التقصير في التعاطي مع العزلة القاتلة التي تعيشها مناطق بأكملها. فقد اعتُبر استمرار انقطاع الطريق الجهوية رقم 704 بين مسمرير وإملشيل لأزيد من شهر نموذجاً صارخاً للإهمال، بما يحمله من تهديد مباشر لحياة المواطنين وشلّ للحركة الاقتصادية والاجتماعية.

وتعزز هذه المعطيات شهادات مؤلمة تناقلتها مواقع التواصل الاجتماعي، توثق نداءات استغاثة لسكان محاصَرين داخل منازلهم، نساء مع أطفال صغار، مرضى عاجزون عن الوصول إلى المستشفيات، وأسر اضطرت إلى حفر ممرات وسط أمتار من الثلوج للخروج من بيوتها. وهي صور تختصر واقعاً لا يمكن اختزاله في “صعوبات ظرفية”، بل يعكس خللاً هيكلياً في السياسات الترابية والعدالة المجالية.

وفي أقاليم كإفران، وأزيلال، وبني ملال، وصفرو، والحوز، تتكرر القصة نفسها: مناطق تعرف المعاناة والفقر في الظروف العادية، وتتحول في فصل الشتاء إلى جيوب منسية، تتراكم فيها المآسي بين آثار الزلازل، وموجات البرد القارس، وغياب تدخلات فعالة وسريعة من قبل السلطات.

ويذهب مراقبون إلى أن ما تكشفه هذه العزلة المتكررة هو فشل واضح للمخزن وحكوماته المتعاقبة في الانتقال من منطق التسيير الظرفي ورد الفعل، إلى منطق التخطيط الاستباقي والاستثمار الحقيقي في البنيات التحتية الجبلية، بما يضمن الحق في التنقل، والعلاج، والتعليم، والحياة الآمنة.

ففي كل مرة، تعود الثلوج لتعرّي كذب الخطاب الرسمي حول التنمية المتوازنة، وتطرح سؤالاً سياسياً وأخلاقياً جوهرياً: كيف يمكن لدولة أن تطالب مواطنيها بالصبر والتحمل، بينما تعجز عن توفير أبسط شروط الحماية لهم أمام مخاطر طبيعية متكررة ومعروفة سلفاً؟

وبينما تستمر ساكنة الجبال في مواجهة مصيرها بالتآزر والتضامن، يبقى التدخل الرسمي دون مستوى التحدي بمراحل طويلة، في انتظار شتاء آخر يعيد إنتاج المأساة نفسها، ويؤكد أن العزلة ليست قدراً طبيعياً، بل نتيجة خيارات سياسية تتحمل الدولة المخزنية كامل مسؤوليتها.

رابط دائم : https://dzair.cc/yscr نسخ

اقرأ أيضًا