لا يختلف اثنان على أن الصناعة الصيدلانية في الجزائر تعيش اليوم أحد أكثر فصولها ديناميكية منذ عقود، لكن ما حدث في “كلينفست إكسبو” يعكس انتقالًا من الطموح إلى الفعل، ومن الوعود إلى العقود. فتوقيع خمسة اتفاقيات تصدير مع متعاملين أفارقة بقيمة تفوق 10 ملايين دولار لا يمثّل رقمًا تجاريًا وحسب، بل هو مؤشر على دخول الجزائر رسميًا سباق المنافسة على السوق الإفريقية للصحة.
هذا التطور لم يأتِ صدفة. فالدعم السياسي والأطر التنظيمية الجديدة، إلى جانب حضور وزراء الصحة والصناعة وممثل منظمة الصحة العالمية، يوضح أن الجزائر لم تعد تنظر إلى الدواء كقطاع اقتصادي فحسب، بل كأداة سيادية وأمن صحي وجسر دبلوماسي نحو العمق الإفريقي.
لقد أثبتت الشركات الجزائرية أنها قادرة على تجاوز حدود السوق المحلية، وأن منتجاتها – سواء كانت أدوية أو مستلزمات طبية – أصبحت تحظى بثقة الشركاء في القارة. ومع ذلك، فإن الخطوة الأكثر أهمية هي تلك الشراكات التي أعلن أنها “ستتوج قريبًا” بعقود إضافية. فالجزائر هنا لا تعقد صفقات ظرفية، بل تبني منظومة تعاون طويلة الأمد، وتتموقع كقوة إقليمية في مجال التكنولوجيا الصحية.
إن إفريقيا اليوم تعيش سباقًا استراتيجيًا نحو الاكتفاء الدوائي، والجزائر تدرك أنها تمتلك ميزة نسبية: جودة مقبولة، قدرات إنتاجية متنامية، وأسعار تنافسية. ومع استمرار هذا النسق، يمكن للجزائر أن تتحوّل إلى قطب صيدلاني إفريقي، شرط مواصلة دعم البحث العلمي، وتوسيع قدرات المختبرات، وفتح مسارات لوجستية أكثر فعالية نحو دول الجنوب.
ما حدث في الصنوبر البحري ليس مجرد حدث اقتصادي؛ هو رسالة سياسية وصحية مفادها أن الجزائر تعود إلى إفريقيا عبر أبواب الصناعة والمعرفة، لا عبر الخطابات. والدرس الأهم أن الاستثمار في القطاعات السيادية – كالدواء – ليس ترفًا، بل ضرورة تؤسس لمكانة الدولة الجزائرية في عالم يتغير بسرعة.
