الجزائر «صيدلية إفريقيا»: مجموعة تانشي تعزز طموح السيادة الدوائية القارية
بقلم: د. هناء سعادة
الجزائر – في لحظة تتقاطع فيها الاعتبارات الصحية مع رهانات السيادة الاقتصادية، تبرز صناعة الأدوية كأحد أكثر القطاعات الاستراتيجية حساسية وتأثيرا في مستقبل الدول. وفي هذا السياق، تتحرك الجزائر بخطى واثقة لإعادة تموقعها كفاعل محوري في الخريطة الدوائية الإفريقية، مستندة إلى إصلاحات هيكلية عميقة، وإلى شراكات دولية مدروسة، في مقدمتها الشراكة الاستراتيجية المرتقبة مع مجموعة تانشي الهندية.
ويأتي انعقاد المنتدى الهندي–الجزائري للصناعات الدوائية يوم 15 يناير 2026 ليشكّل نقطة تحوّل مفصلية في هذا المسار، ليس بوصفه تظاهرة اقتصادية ظرفية، بل كمنصة لإعادة تعريف دور الجزائر داخل سلاسل القيمة الصيدلانية الإقليمية والدولية.
من سوق استهلاكية إلى قاعدة إنتاج قارية
لطالما ارتبط قطاع الدواء في إفريقيا بنموذج الاستيراد والتبعية الخارجية، غير أن الجزائر اختارت، خلال السنوات الأخيرة، مسارا مغايرا، يقوم على بناء صناعة محلية ذات قدرة إنتاجية وتنظيمية عالية.
وتؤكد الأرقام هذا التحول؛ إذ تضم الجزائر اليوم قرابة 250 منشأة إنتاج دوائي، تغطي أكثر من 82٪ من احتياجات السوق المحلية، وتمثل نحو 27٪ من القدرة الإنتاجية الدوائية للقارة الإفريقية، في سابقة نوعية على المستوى الإقليمي.
لم يكن هذا التحول ممكنا دون إصلاحات تشريعية ومؤسساتية عميقة، أبرزها قانون الاستثمار الجديد، الذي فتح الملكية الأجنبية الكاملة، وضمن حرية تحويل رؤوس الأموال والأرباح، إلى جانب اعتماد نظام حوافز ضريبية قائم على الأداء، ورقمنة المسار الإداري، خصوصا في مجال العقار الصناعي.
كما عززت الجزائر موقعها التنظيمي بحصولها على تصنيف ML3 من منظمة الصحة العالمية، ما يعكس نضج منظومتها الرقابية وقدرتها على الامتثال للمعايير الدولية، ويفتح أمامها آفاق التصدير نحو أسواق عالية المتطلبات.
مجموعة تانشي “Tenshi”… شريك صناعي لا مستثمر عابر
ضمن هذا السياق، تبرز مجموعة تانشي الهندية كأحد أكثر الفاعلين انسجاما مع الرؤية الجزائرية الجديدة للصناعة الدوائية. فالمجموعة المملوكة لرجل الأعمال الهندي آرون كومار (Arun Kumar)، تُقدّر قيمتها السوقية المجمعة بنحو 4 مليارات دولار، وتحقق إيرادات سنوية تتجاوز مليار دولار، مع حضور صناعي وتجاري يمتد إلى أكثر من 100 دولة.
غير أن أهمية تانشي لا تكمن فقط في ثقلها المالي، بل في نموذجها الصناعي المتكامل، القائم على ثلاث منصات مترابطة، تمثل معا منظومة إنتاج وابتكار واستثمار طويلة المدى، تسعى المجموعة إلى توطينها جزئيا في الجزائر.
تشكل المنصة الصناعية المدرجة العمود الفقري لهذا النموذج، إذ تضم شركة Strides Pharma Science، إحدى أبرز الشركات العالمية في مجال الأدوية الجنيسة، بمحفظة تفوق 300 منتج معتمد من هيئات تنظيمية صارمة، وموزعة في أكثر من 100 دولة. وتُكملها شركة OneSource Specialty CDMO المتخصصة في التصنيع الدوائي المتقدم، لا سيما في الحقن المعقدة، وأجهزة توصيل الدواء، والكبسولات الهلامية، فيما تؤمّن Solara Active Pharma Sciences إنتاج المواد الصيدلانية الفعالة (APIs)، بما يضمن التكامل العمودي وأمن سلاسل الإمداد.
أما منصة التخصص والابتكار، فتركّز على العلاجات ذات القيمة المضافة العالية، من خلال كيانات متخصصة مثل Naari في مجال صحة المرأة والخصوبة، وInstaPill المطوّرة لتقنيات الأقراص سريعة الذوبان دون الحاجة للماء، وSerovia العاملة في مجال الحقن المعقدة وحلول الرعاية السريرية.
وتعكس هذه المنصة انتقال المجموعة من منطق الإنتاج الكمي إلى منطق الابتكار العلاجي عالي التأثير.
في حين تقوم منصة الاستثمار الاستراتيجي طويل الأمد على مقاربة ذات بعد سيادي–اقتصادي، تعتمد على شراكات مؤسساتية مستقرة مع الفاعلين العموميين، وفي مقدمتهم المجمع العمومي الجزائري للأدوية صيدال. وتهدف هذه المقاربة إلى بناء منظومة صناعية مستدامة تشمل الإنتاج، ونقل التكنولوجيا، والتكوين، وخلق مناصب شغل نوعية، بدل الاكتفاء بأنشطة تصنيع محدودة الأثر.
الشراكة مع صيدال… من التوطين إلى التمكين التصديري
تشكل الشراكة المرتقبة بين تانشي وصيدال حجر الزاوية في الرؤية الصناعية المشتركة، إذ تتجاوز منطق الإنتاج المحلي نحو بناء قاعدة دوائية قادرة على المنافسة إقليميا ودوليا. وتشمل هذه الشراكة إطلاق أكثر من 30 دواء في مرحلتها الأولى، إلى جانب نقل التكنولوجيا، والتعاون في البحث والتطوير، ورفع قدرات الموارد البشرية وفق معايير التصنيع الجيد (GMP).
وعلى المدى المتوسط، تراهن هذه الشراكة على توطين إنتاج المواد الصيدلانية الفعالة، بما يعزز الإدماج الصناعي، ويقلص فاتورة الاستيراد، ويمكّن الجزائر من الولوج المنظم إلى أسواق التصدير في أوروبا، ومنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وإفريقيا جنوب الصحراء.
تجدر الإشارة إلى أن هذه المعلومات تم الكشف عنها خلال لقاء موسع جمع وفدا من الصحفيين الجزائريين، من بينهم موفدة دزاير تيوب، مع مسؤولي مجموعة تانشي في بنغالور، حيث قدموا عرضا تفصيليا حول الرؤية الاستراتيجية للمجموعة، ومنصاتها الصناعية الثلاث، وأهدافها في تعزيز السيادة الدوائية الجزائرية على المستوى الوطني والقاري.
منتدى برهانات استراتيجية تتجاوز الحدث
في ضوء هذه المعطيات، يتجاوز المنتدى الهندي–الجزائري للصناعات الدوائية طابعه البروتوكولي، ليغدو أداة تنفيذية لمرحلة جديدة من السياسة الصناعية الجزائرية. فالتقاطع بين إصلاحات داخلية عميقة، وشراكات دولية قائمة على نقل القيمة والمعرفة، يضع الجزائر أمام فرصة تاريخية لترسيخ موقعها كقطب دوائي قاري.
والرهان المطروح اليوم لا يتمثل فقط في جذب الاستثمارات فحسب، بل في تحويلها إلى رافعة سيادية مستدامة، قادرة على تعزيز الأمن الصحي، ودعم التنويع الاقتصادي، وترجمة طموح «الجزائر… صيدلية إفريقيا» إلى واقع صناعي ملموس.
