لم تكن زيارة رئيس جمهورية النيجر، رئيس الدولة، الفريق عبد الرحمن تياني إلى الجزائر، على رأس وفد وزاري رفيع المستوى، مجرد “لقاء قمة” عادي في أجندة المواعيد الدبلوماسية؛ بل كانت إعلاناً جيوسياسياً صريحاً عن فشل مخططات عزل الجزائر عن عمقها الإفريقي، وشهادة وفاة لمشاريع الفتنة التي حاولت قوى إقليمية ودولية زرعها في منطقة الساحل.
عودة “القاطرة” ونهاية الوصاية
بقيادة الرئيس عبد المجيد تبون، أثبتت الجزائر مجدداً أنها “الرقم الصعب” الذي لا يمكن تجاوزه في معادلة الأمن الإفريقي. في الوقت الذي راهنت فيه فرنسا على إحداث قطيعة بين الجزائر والسلطات الجديدة في نيامي، وحاول فيه “المخزن” المغربي تسويق أوهام “المنافذ الأطلسية” المشبوهة لاستدراج دول الساحل نحو أجندات تخدم قوى استعمارية وصهيونية، جاءت هذه الزيارة لتقول للعالم: “الساحل لأهله، والجزائر هي بوصلته”.
لقد استطاع الرئيس تبون، بهدوئه الاستراتيجي المعهود، أن يمتص محاولات التشويش الخارجية، مقدماً للنيجر بديلاً حقيقياً يقوم على الندية، الاحترام المتبادل، والمصير المشترك، بعيداً عن منطق “الإملاءات” الذي تمارسه باريس، أو “المقايضات” التي يبرع فيها المخزن.
ملفات ثقيلة واتفاقات استراتيجية
لم يكتفِ القائدان بالصور البروتوكولية، بل وضعا قطار التعاون على السكة الصحيحة من خلال اتفاقات “ميدانية” لا تقبل التأجيل:
مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء (TSGP): تم التأكيد على تسريع وتيرة هذا المشروع الوجودي للنيجر، والذي سيجعل منها مركزاً طاقوياً عالمياً، مجهضاً محاولات الالتفاف عليه عبر مسارات وهمية لا تملك مقومات التنفيذ، طالما عوّل عليها المخزن لوضع العصا في عجلة التنمية عل محور الجزائر أبوجا.
الأمن الحدودي: الاتفاق على تنسيق استخباراتي وعملياتي عالي المستوى لتطهير الشريط الحدودي من بقايا الجماعات الإرهابية وشبكات الجريمة المنظمة، وهي الرسالة التي أربكت من كانوا يراهنون على تحويل حدودنا الجنوبية إلى ثغرة أمنية.
التنمية والربط الاقتصادي: من خلال مشاريع فك العزلة وإنشاء مناطق تجارة حرة، أكدت الجزائر أن أمن الساحل يمر عبر “رغيف الخبز” والتنمية، وليس عبر القواعد العسكرية الأجنبية.
إفشال “مؤامرة المحور”
إن استقبال الفريق تياني في الجزائر هو بحد ذاته صفعة قوية لمحور (المخزن-فرنسا). هذا المحور الذي استثمر طويلاً في تأجيج الخلافات ونشر الإشاعات حول “تراجع الدور الجزائري”. اليوم، تجد هذه الأطراف نفسها خارج اللعبة، بعد أن اختارت النيجر بملء إرادتها الشريك الذي يملك التاريخ، الجغرافيا، والصدق في التعامل.
لقد أثبت الرئيس تبون أن دبلومسية “المبادئ” أقوى من دبلوماسية “الحقائب” أو “التبعية”. واليوم، تخرج الجزائر والنيجر بقرار واحد: السيادة خط أحمر، والتعاون الإفريقي-الإفريقي هو الحل الوحيد.
إن عودة العلاقات الجزائرية-النيجرية إلى ذروتها هي انتصار لمنطق الدولة وتأكيد على أن الجزائر، تحت قيادة الرئيس تبون، تظل الحصن المنيع الذي تتحطم عليه كافة المؤامرات التي تستهدف استقرار القارة السمراء.
