شارك اليوم، الوزير الأول سيفي غريب، ممثلا لرئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، في اجتماع رؤساء دول وحكومات اللجنة المتخصصة رفيعة المستوى للاتحاد الإفريقي حول جنوب السودان (C5)، المنعقد على هامش أشغال الدورة العادية الـ39 لقمة رؤساء دول وحكومات الاتحاد الإفريقي بالعاصمة الاثيوبية أديس أبابا.
وفي ما يلي كلمة رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، خلال اجتماع رؤساء دول وحكومات اللجنة المتخصصة رفيعة المستوى للاتحاد الإفريقي حول جنوب السودان (C5)، قرأها الوزير الأول سيفي غريب.
بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على أشرف المرسلين
صاحب الفخامة “سيريل ماتاميلا رامافوزا”، رئيس جمهورية جنوب إفريقيا، رئيس اللجنة المتخصصة رفيعة المستوى للاتحاد الإفريقي حول جنوب السودان، صاحب الفخامة “سالفا كير مَيّارديت”، رئيس جمهورية جنوب السودان،
أصحاب الفخامة والمعالي رؤساء الدول والحكومات،
السيد رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي،
السيدات والسادة الكرام،
يسرني في البداية أن أعرب عن خالص امتناني وتقديري لفخامة رئيس جمهورية جنوب إفريقيا، على الدعوة الكريمة وعلى قيادته الحكيمة لأعمال لجنتنا الموقرة (C5)، والتي تجتمع اليوم في ظرف دقيق ومفصلي يمر به جنوب السودان الشقيق. كما لا يفوتني أن أتقدم بالشكر الجزيل لسلطات جمهورية جنوب السودان على تسهيلها لأعمال هذه اللجنة، مجدداً تضامن الجزائر الكامل مع هذا البلد الشقيق في مسعاه لاستكمال بناء مؤسساته وتحقيق تطلعات شعبه في العيش بسلام ورفاه.
السيدات والسادة الكرام،
نجتمع اليوم بعد فترة وجيزة من الزيارة الوزارية الهامة التي قام بها وفد مجموعة الدول الخمس إلى جوبا خلال الفترة من 14 إلى 16 جانفي 2026. وهي الزيارة التي مثلت محطة حاسمة للاطلاع المباشر على آخر تطورات المشهدين السياسي والأمني، وتقييم مدى التقدم المحرز في تنفيذ بنود “الاتفاق المنشَّط لتسوية النزاع”، لاسيما وعلى مشارف الاستحقاقات الانتخابية الهامة المقررة نهاية السنة الجارية.
وانطلاقاً من مخرجات تلك الزيارة وما لـمسناه على الأرض، نؤكد من هذا المنبر على الركائز الأساسية التي نرى أنها حتمية لضمان العبور الآمن لجنوب السودان الشقيق نحو المرحلة المقبلة:
أولاً: ضرورة الحوار والشمولية. فنحن نؤمن إيماناً راسخاً بأن الحوار يظل السبيل السياسي الوحيد والـمُجدِي لإحلال سلام دائم في جنوب السودان. لذلك، نشجع بقوة جميع الأطراف الموقعة على الاتفاق المنشَّط، وكذلك المجموعات غير الموقعة، على تبني نهج شامل في جميع العمليات التحضيرية للانتخابات. فالحوار الشامل يمثل بوابة حيوية لجميع أصحاب الـمصلحة، ويجب أن يكون تمثيلياً وصادقاً وبناءً، يهدف إلى تجاوز الخلافات وتوحيد الرؤى حول مستقبل البلاد. وفي هذا الإطار، نثمّن عالياً المبادرة التي تقدمت بها جمهورية جنوب إفريقيا الشقيقة، بصفتها رئيساً لمجموعة الخمسة (C5)، لاستضافة حوار سياسي بين الأطراف الموقعة على الاتفاق المنشَّط، كما نحث جميع الأطراف المعنية على الانخراط الفاعل والإيجابي في هذه المبادرة.
ثانياً: خارطة طريق انتخابية واضحة في سياق التحضير للاستحقاقات المقبلة. إذ نحث حكومة جنوب السودان على وضع خارطة طريق عملية ودقيقة، تتضمن جداول زمنية محددة وواقعية لـمراحل العملية الانتخابية. إن نجاح هذا الاستحقاق التاريخي يتطلب حتـمـاً تهيئة الظروف الملائمة لإجراء انتخابات حرة ونزيهة وشفافة، تمكِّنُ من التعبير الصادق عن الإرادة الحقيقية لشعب جنوب السودان.
ثالثاً: معالجة التحديات الأمنية وتوحيد القوات. فلا يزال مسار الترتيبات الأمنية يشكل حجر الزاوية في بناء الثقة والاستقرار الدائمين. ونحن نلاحظ بقلق أن عملية تشكيل وإعادة نشر “القوات الموحدة” لا تزال تواجه تحديات جسيـمة. إنّ البطء في هذا المسار الحيوي يُعرقل التنفيذ الفعلي للترتيبات الأمنية، مما يهدد مكتسبات السلام ويُعيق تهيئة البيئة الملائمة للاستحقاقات السياسية. لذلك، فإننا ندعو السلطات المختصة للإسراع في توفير الدعم اللوجستي والتمويلي اللازم لتسريع توحيد القوات ونشرها، لتمكينها من أداء مهامها في حفظ الأمن وحماية المدنيين وترسيخ سيادة القانون.
وفي هذا الصدد، نجدد دعوتنا لوقف جميع الأعمال العدائية فوراً وفي كل أنحاء البلاد، كما نحث جميع الأطراف على الانخراط في مسارات التهدئة ووضع المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار.
السيدات والسادة الكرام،
إن التزام الجزائر تجاه جنوب السودان ليس وليد اللحظة، بل هو التزام مبدئي وراسخ تجسد عملياً خلال رئاسة الجزائر لمجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الإفريقي في أوت 2025، حيث قادت بعثة ميدانية إلى جوبا خلال الفترة من 10 إلى 12 من الشهر نفسه. وقد أتاحت تلك المهمة جمع معلومات مباشرة حول مسار الانتقال السياسي، ونقل رسائل تضامن عميقة إلى الحكومة والشعب الجنوب سوداني. كما كان لوفدنا شرف اللقاء بفخامة الرئيس سالفا كير، حيث تم بحث الوضع السياسي والأمني بعمق واستشراف الخطوات المستقبلية اللازمة لاستكمـال المسار الانتقالي في آجاله المحددة.
إن الجزائر، وهي تؤكد مجدداً على دعمها الثابت لسيادة جنوب السودان ووحدته وسلامة أراضيه، تدعو المجتمع الدولي والاتحاد الإفريقي وكافة الدول الأعضاء إلى تكثيف دعمهم ومرافقتهم لهذا البلد الشقيق. يجب أن يكون دعمنا جماعياً وفاعلاً، ليس على المستوى السياسي فحسب، بل أيضاً في الاستجابة للوضع الإنساني الـمُلِحّ.
ونناشد هنا الشركاء الدوليين والمانحين تكثيف جهودهم وتوفير التمويل العاجل والكافي لوكالات الإغاثة، للتصدي للأزمة الإنسانية الحادة التي يعاني منها قطاع كبير من الشعب الجنوب سوداني.
وختاماً، فإن الجزائر، وانطلاقاً من تجربتها الوطنية وموقعها الإقليمي، تؤكد أن التنفيذ الكامل والجاد لبنود الاتفاق المنشَّط يبقى النهج الأكثر ضماناً لتحقيق مصالحة وطنية حقيقية، وتذليل التحديات الأمنية والسياسية والإنسانية الراهنة. إن نجاح جنوب السودان في تحقيق الاستقرار والازدهار هو نجاح لأفريقيا بأسرها، ومسؤوليتنا الجماعية تقتضي منا أن نقف صفاً واحداً إلى جانب أشقائنا حتى يبلغوا برَّ الأمان.
