ليست الدول الحديثة هي التي تُهزم بالجيوش وحدها، بل تلك التي يُفتح بابها من الداخل، هذه الحقيقة التي تختصر قرونًا من الصراع السياسي والاستخباراتي، أعاد رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون وضعها في صلب النقاش العمومي، حين أطلق تحذيره اللافت من “خاين الدار”، باعتباره الخطر الأخطر على استقرار الجزائر وأمنها وسيادتها.
هذا الخطاب لا يأتي من فراغ، ولا يُقرأ بمعزل عن السياق الدولي الراهن، حيث بات تفكيك الدول من الداخل أحد أكثر الأدوات استعمالًا في الحروب غير المعلنة، وما كشفه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، صراحةً، عن محاولات اختراق محيط الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، يقدّم نموذجًا فجًّا لما يعنيه “خاين الدار” حين يتحول إلى أداة في يد قوى خارجية.
من كاراكاس إلى الجزائر: الخيانة كأداة جيوسياسية
حين تحدّث ترامب، في أكثر من مناسبة، عن أن إسقاط مادورو أو “اعتقاله” كان ممكنًا عبر أشخاص من دائرته القريبة، لم يكن ذلك زلّة لسان، بل اعترافًا صريحًا بعقيدة سياسية–أمنية تقوم على تجنيد الداخل ضد الداخل. لم تكن واشنطن بحاجة إلى غزو فنزويلا، بقدر ما كانت تراهن على تفكك الحلقة المحيطة بالرئيس، وتحويل الثقة إلى ثغرة.
هذا بالضبط ما قصده الرئيس تبون حين فرّق بوضوح بين الضغط الخارجي، الذي يمكن للدولة مواجهته سياسيًا ودبلوماسيًا، وبين الخطر الداخلي، الذي ينخر الدولة من داخلها، مستغلًا الموقع، والمعلومة، والسلطة، والثقة.
“خاين الدار”: مفهوم سياسي لا توصيف شعبوي
خطأ فادح أن يُقرأ تعبير “خاين الدار” بوصفه توصيفًا أخلاقيًا أو خطابًا شعبويًا. في العمق، نحن أمام مفهوم سياسي–أمني دقيق، يشير إلى فئة لا تعارض الدولة من الخارج، بل تعمل من داخل مؤسساتها، أو محيطها الاقتصادي والإداري، أو شبكاتها الحيوية.
هؤلاء لا يرفعون شعارات العداء، بل يلبسون أقنعة “الكفاءة” و”الخبرة” و”النفوذ”، تمامًا كما تفعل شبكات الفساد والتهريب والمضاربة، أو كما تفعل النخب المرتبطة بمصالح عابرة للحدود، والتي تتحول، عند اللحظة المناسبة، إلى قنوات اختراق سيادي.
معركة الجزائر: من مكافحة الفساد إلى تحصين الدولة
منذ 2019، لم تكن معركة الدولة الجزائرية ضد العصابة مجرّد حملة قضائية، بل عملية إعادة بناء للسيادة من الداخل. استرجاع الأموال المنهوبة، تفكيك شبكات تهريب الوقود والمواد الأساسية، تشديد الرقابة على الصفقات العمومية، ليست إجراءات تقنية، بل خطوات في حرب أعمق: حرب ضد تحويل الداخل إلى أداة ابتزاز خارجي.
الرئيس تبون، حين يدعو الشعب إلى “التعاون ضد خاين الدار”، لا ينقل المسؤولية إلى المواطن، بل يرسّخ معادلة واضحة: الدولة القوية لا تُبنى بالأجهزة وحدها، بل بالوعي الجماعي، لأن الخيانة الحديثة لا تأتي دائمًا في شكل انقلاب، بل في شكل صفقات مشبوهة، معلومات مسرّبة، تعطيل متعمّد، أو ضرب ممنهج للقدرة الشرائية.
الدرس الفنزويلي: حين تُختطف الدولة قبل أن يُختطف الرئيس
فنزويلا لم تُستهدف فقط بسبب نفطها، بل لأنها رفضت أن تكون دولة منزوعة القرار، ومحاولات اختراق محيط مادورو لم تكن إلا الوجه الخفي لاستراتيجية أوسع: شلّ الدولة عبر تفكيك ولائها الداخلي.
وهنا، يصبح تحذير الرئيس تبون استباقيًا لا انفعاليًا، فهو يدرك أن المعركة القادمة في العالم ليست بين دول فقط، بل بين دول متماسكة من الداخل وأخرى تُستنزف عبر “خونة الدار”.
السيادة تبدأ من الداخل
الخارج، مهما كان قويًا، لا يستطيع شيئًا إن لم يجد في الداخل من يفتح له الأبواب، وهذا هو جوهر الرسالة: لا استقرار بلا تطهير الداخل، ولا سيادة مع بقاء “خاين الدار” في مفاصل الدولة.
الجزائر، وهي تخوض معركتها بهدوء وصلابة، تدرك أن أخطر الحروب لا تُعلن، وأن أخطر الأسلحة ليست الصواريخ، بل الخيانة حين تتقن التخفي.
