تتصاعد حدة الانتقادات الموجهة إلى الحكومة المغربية بشأن أسلوب إدارتها للملفات التشريعية، في ظل اتهامات متزايدة باعتماد منطق “الإخضاع” والاستقواء بالأغلبية العددية لتمرير قوانين خلافية، وعلى رأسها مشروع القانون المنظم لمهنة المحاماة.
القيادية في حزب العدالة والتنمية المغربي، أمينة ماء العينين، وضعت أصبعها على جوهر الأزمة، متسائلة عن “وجه الاستعجال” الذي يدفع الحكومة ووزير العدل إلى الإصرار على تمرير مشروع القانون في سياق سياسي واجتماعي شديد الحساسية. فالحكومة، وفق تعبيرها، تقترب من نهاية ولايتها، والعالم يعيش تحولات كبرى، والبلاد تواجه فيضانات وأوضاعاً اجتماعية ضاغطة، ورمضان على الأبواب بأسئلة التموين والأسعار، ورئيس الحكومة أعلن انسحابه من الاستحقاقات الحزبية المقبلة، ومع ذلك “لا تجد شغلاً يشغلها غير إشعال فتيل الاحتقان داخل المحاكم”، عبر تشريع يهم مهنة مستقلة دون توافق مع أهلها.
وترى ماء العينين أن الحديث المتكرر عن إمكانية إدخال تعديلات برلمانية لا يعدو أن يكون “تضليلاً”، ما دام تمرير أي تعديل يظل رهيناً بموافقة الحكومة نفسها، معتبرة أن عبارة “الحكومة ترفض التعديل” تحولت إلى لازمة سياسية تختزل اختلال ميزان العلاقة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية. وفي هذا السياق، تطرح سؤالاً جوهرياً حول حدود تدخل وزارة العدل في تنظيم مهنة مستقلة يكفل الدستور استقلاليتها، متسائلة إن كان الأمر يتعلق بمحاولة فرض وصاية جديدة بعد استقلال النيابة العامة عنها.
من جهته، انضم حزب التقدم والاشتراكية إلى موجة الانتقاد، محذراً من مخاطر المقاربة القائمة على الاستقواء بالأغلبية العددية لتمرير قوانين كبرى، كما حدث في قوانين سابقة تتعلق بالتعليم العالي ومؤسسات أخرى. ودعا الحزب إلى حوار جاد ومنتج مع ممثلي المحامين، يفضي إلى صيغة توافقية تحظى بشرعية مهنية ومجتمعية، بدل فرض نص قانوني قد يفتح جبهة توتر جديدة.
وفي موازاة الجدل التشريعي، وجّه الحزب انتقادات لإدارة حكومة المخزن لملف الفيضانات، مطالباً بمراجعة عاجلة لمخططات الحماية، وتشديد الرقابة على التعمير، وتفعيل التأمين ضد الكوارث الطبيعية، وضمان حماية الممتلكات والبنيات التحتية، ومواجهة المضاربة في الأسواق. كما شدد على ضرورة احترام اللوائح القانونية في عمليات الهدم، وضمان التعويض وإعداد البدائل قبل التنفيذ.
تتقاطع هذه المواقف في نقطة مركزية: أزمة ثقة في منهجية التشريع والتدبير. فحين تُمرر القوانين في مناخ من الاحتقان، وبدون إشراك فعلي للمعنيين، وحين تتراكم التحديات الاجتماعية والمناخية والاقتصادية، يصبح السؤال أعمق من مجرد خلاف حول نص قانوني. إنه سؤال حول طبيعة العلاقة بين الحكومة والبرلمان، وبين الدولة ومكوناتها المهنية والاجتماعية، وحول مدى قدرة المؤسسات على إنتاج توافقات بدل فرض الأمر الواقع.
وفي ظل هذا المناخ، تبدو الحاجة ملحّة إلى مقاربة سياسية أكثر انفتاحاً، تعيد الاعتبار للحوار والتدرج، وتحصّن التشريع من أن يتحول إلى ساحة صراع إضافية في سياق داخلي وإقليمي معقد.
