في الوقت الذي تواصل فيه السلطات المغربية الترويج لصورة “المغرب الجديد” الذي تزعم أنه يسير نحو الحداثة والانفتاح، تكشف الوقائع اليومية أن البلاد تنزلق بسرعة نحو نفق من التقييد الممنهج للحريات الفردية والجماعية.
فمن قاعات المحاكم إلى الشوارع، ومن الجامعات إلى منصّات التواصل الاجتماعي، تتسع رقعة التضييق، بينما يواصل المخزن تسويق خطاب “الإصلاح” و”الانتقال الديمقراطي” أمام المنتظم الدولي وهو يحاول إيهامه بقدرته على منح الصحراويين حقوقهم في ظل “حكم ذاتي” بينما فشل في تحقيق مطالب المغاربة أصلا.
في الأيام الأخيرة فقط، كشفت عدة تقارير مغربية مستقلة حجم الهوة بين ما يُعلن وما يُمارس. هيئة النزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها أقرت رسميًا بتراجع خطير في مؤشرات الشفافية والحكامة، وتدهور ترتيب المغرب في مؤشر إدراك الفساد إلى المرتبة 99 عالميًا، بعدما كان في المرتبة 87 سنة 2021.
لكن بدل أن تدق الحكومة ناقوس الخطر وتفتح ملفات المحاسبة، انشغلت بإعادة تكرار الخطاب نفسه: “الإصلاح قادم” و”الثقة في المؤسسات تتعزز”، بينما الواقع يكشف أن لا ثقة تُبنى في ظل غياب إرادة سياسية حقيقية.
على المستوى الحقوقي، عاد القمع ليطلّ برأسه دون مواربة. آلاف الشباب ممن شاركوا في احتجاجات “جيل Z” يقبعون في السجون أو يواجهون محاكمات مطولة، بتهم تتراوح بين “المسّ بالأمن الداخلي” و”التحريض عبر وسائل التواصل الاجتماعي”.
حتى حزب “النهج الديمقراطي العمالي” المغربي، المعروف بمواقفه اليسارية السلمية، لم يسلم من الاستهداف بعد مطالبته بالإفراج عن المعتقلين السياسيين ووقف المحاكمات “الجائرة”. لقد وصف الحزب – بوضوح – السياسة الحكومية بأنها “محاولة لتدجين الشباب عبر وعود مالية وانتخابية جوفاء”، وهي قراءة تلتقط بدقة جوهر اللحظة المغربية الراهنة: محاولة امتصاص الغضب بدل فهم أسبابه.
أما في الشارع، فالغضب يتصاعد. فمع ارتفاع البطالة وغلاء الأسعار وتدهور الخدمات العامة، يتنامى شعورٌ جماعي بالخذلان وخيبة الأمل، خصوصًا لدى فئة الشباب التي تشكّل أكثر من نصف المجتمع. هؤلاء الذين خرجوا في احتجاجات سلمية للمطالبة بالكرامة، يجدون أنفسهم اليوم متهمين ومطاردين فقط لأنهم تجرؤوا على رفع الصوت في وجه منظومة لا تقبل النقد.
في المقابل، تواصل حكومة المخزن الدفاع عن ما تزعم أنّه “حقها في فرض النظام” بينما تتناسى أن النظام لا يُبنى بالقوة، وأن الأمن الحقيقي لا يتحقق بالاعتقالات ولا بإسكات الأصوات، بل بتعزيز الثقة في العدالة، وبفتح المجال أمام النقاش العمومي الحر، لا بتجريمه.
حتى في المجال الاقتصادي، تُظهر التقارير أن “الريع” لم يتراجع، بل يتكيّف مع الزمن. كبار رجال الأعمال المقربين من السلطة يستفيدون من الامتيازات، بينما تغلق آلاف المقاولات الصغيرة أبوابها، ويُترك المواطن المغربي البسيط لمواجهة موجات الغلاء المتتالية دون حماية.
إنّ ما يجري في المغرب اليوم ليس سوى إعادة إنتاج لنموذج سياسي قديم يرتدي ثوبًا جديدًا. خطاب رسمي ناعم يتحدث عن “الانتقال الديمقراطي” و”المشاركة السياسية”، بينما تُجرّم دعوات المقاطعة وتُلاحق تغريدات الانتقاد. إنها مفارقة دولة تتحدث بلغة الديمقراطية أمام الخارج، لكنها تخاطب الداخل بعصا الأمن.
الجيل الجديد من المغاربة، جيل الإنترنت والوعي والانفتاح، لم يعد يقبل الوصاية الفكرية ولا التخويف باسم “الاستقرار”. إنه جيل يرى أن الكرامة لا تُمنح، بل تُنتزع، وأن الإصلاح لا يُفرض من فوق، بل يُصنع من القاعدة.
وإذا كان المخزن يظن أن الزمن كفيل بإخماد الغضب، فهو يخطئ التقدير. فالمغرب يعيش اليوم لحظة وعي جماعي تتجاوز الأحزاب التقليدية والنخب الصامتة، لحظة يعاد فيها طرح السؤال الجوهري: إلى أين يمضي هذا البلد؟
الجواب لن يأتي من وراء جدران البلاط ولا من بيانات رسمية صيغت بعناية لغوية، بل من الشارع، من أصوات الشباب الذين يطالبون بوطنٍ يتسع للجميع، لا لوطنٍ يُقاس فيه مقدار الحرية بمدى الولاء.
لقد آن الأوان للمخزن أن يدرك أن شرعيته الحقيقية لا تُستمد من “الاستقرار الأمني” بل من الثقة الشعبية، وأنّ القمع مهما تجمّل بخطاب “الإصلاح” يبقى قمعًا، وأنّ الشعوب التي تُخرس اليوم ستتحدث غدًا بصوتٍ أعلى.
