الثلاثاء 03 مارس 2026

المخزن ووهم “الحكم الذاتي” في الصحراء الغربية: كيف يُقنع العالمَ بقدرته على الوفاء مع الصحراويين من لم يحقق مطالب المغاربة أصلاً؟

نُشر في:
المخزن ووهم “الحكم الذاتي” في الصحراء الغربية: كيف يُقنع العالمَ بقدرته على الوفاء مع الصحراويين من لم يحقق مطالب المغاربة أصلاً؟

بينما يواصل المخزن المغربي الترويج أمام المنتظم الدولي لخطاب “الإصلاح” و”الانتقال الديمقراطي” و”النموذج المغربي الفريد”، تتكشف في الداخل صورة مغايرة تمامًا.
فالدولة التي فشلت في تحقيق مطالب أبنائها في الحرية والعدالة والكرامة، تحاول اليوم إقناع العالم بأنها مؤهلة لـ”منح الحقوق” لشعبٍ آخر في الصحراء الغربية، تحت شعار “الحكم الذاتي”. إنها المفارقة الكبرى في الخطاب الرسمي المغربي: التحدث باسم “الحقوق” في الخارج، بينما تُنتهك في الداخل.

منذ أكثر من عقدين، لم يتوقف الخطاب الرسمي المغربي عن الحديث عن “الإصلاحات السياسية العميقة” و“الانتقال الديمقراطي السلس”. لكن الواقع الملموس يفضح هشاشة هذا البناء النظري:
اعتقالات تطال الصحفيين والنشطاء، تضييق على الحريات العامة، قمعٌ لأي تعبير مستقل، تراجع في مؤشرات العدالة والشفافية، وتآكلٌ خطير في الثقة بين المواطن المغربي والدولة المخزنية.
فكيف يمكن لنظام لم يُوفّر الحدّ الأدنى من الحقوق لمواطنيه، أن يقدّم نفسه كضامنٍ لحقوق الصحراويين؟

الخطاب المغربي الموجّه للخارج يقوم على ثلاث ركائز:

ادعاء الاستثناء المغربي الذي يجعل من المملكة نموذجًا مستقرًا في محيط مضطرب.

الترويج لصورة الدولة الإصلاحية التي تسير بخطى “هادئة لكن ثابتة” نحو الديمقراطية.

تسويق مقترح الحكم الذاتي كدليل على “المرونة السياسية” و“احترام إرادة الصحراويين”.

لكن التدقيق في هذه الركائز يكشف أنها ليست سوى أدواتٍ لتجميل واقعٍ مأزوم.
فالاستقرار الذي يتغنى به الخطاب الرسمي، قائم على الخوف أكثر من الثقة، وعلى إخماد الأصوات أكثر من إدارة الخلاف.
أما “الإصلاح” الذي يُقدّم للعالم بوصفه مسارًا سياسيًا متدرجًا، فهو في الداخل مجرد سلسلة من الالتزامات المؤجلة، تبرّر استمرار نفس بنية الحكم المركزية، حيث تُدار الدولة من الأعلى دون رقابة حقيقية أو تداول فعلي للسلطة.

أما المقترح المغربي للحكم الذاتي في الصحراء الغربية، الذي يقدَّم في الأمم المتحدة والبرلمانات الأوروبية كحلٍّ “واقعي وذي مصداقية”، فيفتقد إلى شرطه الأول: المصداقية الداخلية.
فأي حكمٍ ذاتي يمكن الوثوق به، إذا كانت حتى الجماعات المحلية والجهات داخل المغرب نفسها لا تتمتع بصلاحيات حقيقية؟
وأي ضمانٍ لحقوق الصحراويين يمكن تقديمه، إذا كانت حقوق المغاربة أنفسهم تُصادر يوميًا باسم “النظام العام” و”الخطوط الحمراء”؟

ما يغيب عن كثير من العواصم الغربية، أن الملف الصحراوي أصبح بالنسبة للمخزن أداةً لتلميع الصورة الدولية وتخفيف الضغط الداخلي.
فبدل الانكباب على إصلاح المؤسسات ومحاربة الفساد وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، يفضّل نظام المخزن التحدث عن “جهوده التنموية في الأقاليم الجنوبية” و”مشاريعه الكبرى”، وكأنّ الاستثمار في الطرق والموانئ يعوّض عن غياب الشرعية السياسية والعدالة الاجتماعية.

في العمق، المخزن لا يسعى فقط لإقناع الصحراويين بالحكم الذاتي، بل يسعى قبل ذلك لإقناع العالم بأن المغرب بلد يمنح الحقوق.
لكن العالم بدأ يلاحظ التناقض بين الصورة المعلنة والواقع المكشوف. تقارير المنظمات الدولية، من “هيومن رايتس ووتش” إلى “العفو الدولية”، تؤكد اتساع رقعة القمع والتضييق، وتراجع مؤشرات حرية الصحافة والمجتمع المدني.
حتى شركاء المغرب الغربيون باتوا يتساءلون: إذا كان “النموذج المغربي” عاجزًا عن إنصاف مواطنيه، فكيف يمكنه إنصاف شعبٍ آخر؟

إنّ الحكم الذاتي الحقيقي يبدأ من الداخل. لا يمكن أن يكون واقعيًا في الصحراء إذا لم يكن واقعيًا في الرباط والدار البيضاء وطنجة.
ولا معنى للحديث عن “حق الصحراويين في التسيير الذاتي”، بينما يُحرم المغاربة أنفسهم من أبسط أشكال المشاركة في القرار المحلي والسياسي.

في نهاية المطاف، يبدو أن المخزن يسوّق حلمًا خارجيًا ليخفي فشله الداخلي.
لكن الحقيقة البسيطة التي تتجاهلها الدبلوماسية المغربية هي أن الشرعية لا تُستورد من الخارج، ولا تُمنح من فوق، بل تُبنى في الداخل، بين المواطنين الذين يصدقون أن دولتهم تحترمهم.

وما لم يتحقق ذلك، سيظل “الحكم الذاتي” مجرّد شعارٍ جميل يُخفي واقعًا أكثر تعقيدًا: دولة لم تمنح الحرية بعد لأبنائها، فكيف ستمنحها لغيرهم؟

رابط دائم : https://dzair.cc/xoxw نسخ

اقرأ أيضًا