ليست الثلوج هي ما يقتل ساكنة الجبل، بل الدولة التي تغيب كلما حلّ الشتاء، وتحضر فقط لتبرير الفشل. ما تعيشه القرى الجبلية المغربية من عزلة خانقة وبرد قاتل ليس قدراً طبيعياً ولا مفاجأة مناخية، بل نتيجة منطق سياسي متجذر يقوم على إدارة المغرب غير النافع بمنطق الطوارئ الموسمية، وترك الإنسان الجبلي خارج معادلة الحق في الحياة والكرامة.
التدخلات التي تُسوَّق رسمياً على أنها “فك للعزلة” لا ترقى حتى إلى الحد الأدنى من الاستجابة الإنسانية. هي إجراءات لحظية، متأخرة، محدودة الأثر، تُنفَّذ تحت الضغط الإعلامي ثم تُرفع اليد عنها، لتعود الدواوير إلى الحصار نفسه، وكأن الدولة المخزنية تؤدي واجباً شكلياً لا التزاماً دستورياً. لا بنية تحتية دائمة، لا طرق مؤهلة، لا خدمات صحية قريبة، ولا سياسة استباقية تُحصّن الأرواح قبل وقوع الكارثة.
الأكثر فداحة أن هذه المأساة تتقاطع مع ملف متضرري زلزال الأطلس الكبير، حيث تحولت الكارثة من حدث استثنائي إلى فضيحة تدبير مزمنة. التأخر في إعادة الإعمار، الارتباك في القرارات، وتضارب المسؤوليات يكشف أن ما يُقدَّم كـ“مجهود استثنائي” ليس سوى إدارة فوضوية لملف إنساني ثقيل. هنا لا يمكن الحديث عن سوء حظ أو صعوبات تقنية، بل عن غياب إرادة سياسية حقيقية لإنصاف ساكنة لا وزن لها في ميزان السلطة.
وفي الوقت الذي يفترض فيه أن تكون المنتجات المجالية رافعة للتنمية الجبلية، يكشف العبث الحكومي في ملف النباتات الطبية والعطرية، وصولاً إلى حل الوكالة الوطنية المختصة، عن عقلية ارتجالية لا ترى في الجبل سوى مجال للتجريب والفشل. كيف يمكن الحديث عن تثمين الثروات المحلية، في ظل غياب رؤية واضحة، ومؤسسات تُحل دون محاسبة أو بدائل؟
جوهر الأزمة أن المخزن لا يتعامل مع الجبل كجزء متكامل من الوطن، بل كهامش مزعج يُستدعى فقط عند الكوارث. لا إطار تشريعياً خاصاً بالجبل، لا سياسة ترابية مندمجة، ولا مراجعة حقيقية لمساطر التعمير التي تتجاهل الخصوصيات المناخية والجغرافية. في المقابل، تُترك الساكنة دون وسائل تدفئة، دون تموين منتظم، ودون حق فعلي في العلاج، وكأن البرد والموت جزء من “تكلفة العيش” في الهامش.
ما يحدث في الجبل هو انتهاك صارخ للحق في الحياة، وتعبير فاضح عن فشل السياسات العمومية، واختبار خاسر لخطاب الدولة حول العدالة المجالية. فالدساتير لا تُقاس بالنصوص، بل بمدى حماية أضعف الفئات، وحين يُترك الجبل تحت الثلج، فإن المسؤولية سياسية قبل أن تكون طبيعية.
الجبل ليس عبئاً ولا ملفاً موسمياً، بل مرآة تعكس حقيقة اختيارات المخزن: دولة قوية في الجباية والضبط، ضعيفة أمام إنقاذ مواطنيها. وكل شتاء يمر دون تغيير جذري، هو إدانة جديدة لسياسة الإهمال المنظم، وجريمة صامتة تُرتكب باسم الصمت الرسمي.
