لم تعد الاحتجاجات التي يشهدها المغرب في قطاعات التعليم، والعدالة، والصحافة مجرد تعبيرات مطلبية معزولة أو نزاعات مهنية ظرفية، بل باتت مؤشراً صارخاً على أزمة سياسية بنيوية تطال نمط الحكم ذاته. فالقاسم المشترك بين هذه التحركات هو غياب الحوار الحقيقي، وهيمنة القرار الفوقي، وتنامي نزعة التحكم التي تميز بنية “المخزن” بوصفه منظومة حكم مركبة تجمع بين السلطة السياسية والأمنية والاقتصادية.
في قطاع التعليم الأولي، عاد الأساتذة إلى الشارع للمطالبة بالإدماج في الوظيفة العمومية وإنهاء ما يسمونه “التفويض الريعي” الذي حوّل هذا الورشات الوطنية إلى مجال هش تحكمه جمعيات وسيطة بلا محاسبة ولا ضمانات قانونية. هذه الوضعية لا يمكن فصلها عن خيار سياسي واضح يتمثل في انسحاب الدولة من التزاماتها الاجتماعية الأساسية، مقابل الحفاظ على السيطرة عبر وسطاء يضعفون الحق النقابي ويقوضون شروط العمل الكريم. ما يجري هنا ليس فشلاً تقنياً، بل هندسة سياسية للهشاشة.
الصورة ذاتها تتكرر في قطاع العدالة. فالإضراب الشامل الذي يخوضه المحامون احتجاجاً على مشروع قانون المهنة يعكس تصدعاً خطيراً في العلاقة بين السلطة التنفيذية ومهنة يفترض أنها من ركائز دولة القانون. إصرار حكومة المخزن، ووزارة العدل على وجه الخصوص، على تمرير تشريع مصيري دون مقاربة تشاركية، ورفضها أي وساطة أو حوار جدي، يؤشر على نزعة سلطوية تعتبر استقلال المهن خطراً ينبغي تطويعه لا شريكاً في بناء العدالة. شلل المحاكم ليس سوى عرض جانبي لأزمة أعمق تمس استقلال القضاء وحقوق المتقاضين.
أما في قطاع الصحافة، فقد جاءت صفعة المحكمة الدستورية لمشروع قانون إعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة لتؤكد ما حذرت منه الهيئات المهنية منذ البداية: محاولة تفريغ التنظيم الذاتي من مضمونه، وتحويله إلى أداة ضبط سياسي واقتصادي على مقاس مصالح ضيقة مرتبطة بدوائر النفوذ المخزني. هذا المسار لم يكن يهدف إلى إصلاح القطاع، بل إلى تدجينه، وتحجيم الأصوات المستقلة، ومحاصرة العمل النقابي، في سياق يتسم بتراجع حرية التعبير وتزايد المتابعات القضائية للصحافيين.
ما يجمع هذه الملفات الثلاثة هو “تفكيك ممنهج للوسائط الديمقراطية”، فالمخزن، في لحظة احتقان اجتماعي متصاعد، يختار إدارة الأزمات بالإنكار والتشريع الفوقي والقمع الناعم، بدل الإصغاء والتفاوض. آليات الحوار موجودة شكلياً، لكنها معطلة فعلياً. والمؤسسات التمثيلية تُستعمل حين تخدم القرار الجاهز، وتُهمّش حين تعترض عليه.
في الخطاب الرسمي الموجه للخارج، لا يزال المغرب يقدم نفسه كنموذج للاستقرار والإصلاح التدريجي. غير أن الواقع الداخلي يكشف مفارقة صارخة: استقرار يُدار بالتحكم، وإصلاح يُفرغ من محتواه، ودولة تُضعف خدماتها العمومية بينما تشدد قبضتها السياسية. هذه الهوة بين الخطاب والممارسة لم تعد قابلة للإخفاء، وهي ما يفسر تواتر الاحتجاجات واتساعها أفقياً وقطاعياً.
إن ما يشهده المغرب اليوم ليس أزمة مطالب، بل أزمة “نموذج حكم”، نموذج يقوم على تركيز القرار، وتحييد الفاعلين المستقلين، وتحويل القانون من أداة حماية إلى أداة ضبط. ومع كل تشديد للقبضة، تتآكل شرعية الوساطة وتتعزز قناعة فئات واسعة بأن الإصلاح من داخل المنظومة بات مسدود الأفق.
بالنسبة للمراقبين الدوليين، الرسالة واضحة: استقرار المغرب بات هشاً لأنه يقوم على إدارة الاحتقان لا معالجته، وعلى احتواء الغضب لا تفكيك أسبابه. ما لم يُعاد الاعتبار للتعليم كخدمة عمومية، وللعدالة كسلطة مستقلة، وللصحافة كفضاء حر، فإن منطق التحكم المخزني سيظل ينتج أزمات متتالية، ويضع البلاد أمام مخاطر سياسية واجتماعية مفتوحة.
