الخميس 15 جانفي 2026

المغرب: «المحج الملكي» أم نزع بلا ضمانات؟.. المخزن يهدم أحياء البيضاء ويفتح جرح السكن والشرعية

نُشر في:
المغرب: «المحج الملكي» أم نزع بلا ضمانات؟.. المخزن يهدم أحياء البيضاء ويفتح جرح السكن والشرعية

يتابع الرأي العام، داخل المغرب وخارجه، ما يجري في المدينة القديمة للدار البيضاء من عمليات هدم وترحيل واسعة طالت مئات الأسر والتجار والحرفيين، في إطار مشروع يُقدَّم تحت مسمى “المحج الملكي”. مشروع يُسوَّق رسميًا كجزء من إعادة تهيئة حضرية مرتبطة بالاستعداد لتظاهرات رياضية دولية، لكنه في الواقع فجّر موجة سخط اجتماعي، وطرح أسئلة قانونية وحقوقية ثقيلة حول نزع الملكية، والحق في السكن، وحدود سلطة الدولة في فرض “المنفعة العامة”.

الوقائع، كما تؤكدها شهادات المتضررين وتدخلات برلمانية، تكشف أن عمليات الإفراغ والهدم انطلقت منذ ديسمبر 2025 بوتيرة متسارعة، وغالبًا عبر إخبارات شفوية وآجال قصيرة لا تتجاوز أيامًا معدودة. الأخطر، بحسب المعطيات المتداولة، هو غياب قرارات مكتوبة قابلة للطعن، وضبابية كاملة بشأن طبيعة التعويضات أو بدائل السكن، ما يجعل الأسر المعنية في مواجهة مباشرة مع التشريد، في فصل الشتاء، وفي منتصف السنة الدراسية.

سياسيًا، أعاد هذا الملف إلى الواجهة سؤال احترام الدولة المغربية لمقتضيات الدستور والقوانين المؤطرة لنزع الملكية لأجل المنفعة العامة. فالقانون، نظريًا، يشترط إعلانًا واضحًا للمنفعة العامة، ومساطر دقيقة، وتعويضًا عادلًا ومنصفًا. غير أن ما يجري على الأرض، كما تقول فاطمة التامني، النائبة البرلمانية عن فيدرالية اليسار الديمقراطي، يوحي بتجاوز هذه الضمانات، وتحويل “الاستعجال” إلى ذريعة لتعليق الحقوق.

تحرك التامني عبر سؤال كتابي موجه لوزير الداخلية لم يكن مجرد إجراء شكلي، بل تعبير عن قلق سياسي وحقوقي متصاعد داخل المغرب نفسه، من طريقة تدبير مشاريع كبرى تُفرض من أعلى، دون إشراك فعلي للساكنة، ودون احترام واضح لمبدأ المقاربة التشاركية الذي ينص عليه الدستور المغربي. وهو ما يعكس، في نظر منتقدي هذه السياسات، خللًا بنيويًا في تصور “التنمية” باعتبارها إنجازًا عمرانيا وسرعة في التنفيذ، لا باعتبارها مسارًا يضع الإنسان وكرامته في صلب القرار.

من زاوية حقوقية، تثير عمليات الهدم والترحيل بالدار البيضاء شبهة التهجير القسري، وهو ما يتعارض مع التزامات المغرب الدولية، خاصة تلك المرتبطة بالحق في السكن اللائق، ومنع الإفراغ القسري دون ضمانات قانونية وتعويضات عادلة. فحين تُرحَّل أسر بكاملها، وتُفكك شبكات عيش قائمة منذ عقود، بدعوى “المنفعة العامة”، دون وضوح في البدائل، فإن الأمر يتحول من مشروع تهيئة إلى مصدر هشاشة اجتماعية جديدة.

وللقارئ الجزائري، فإن ما يحدث في الدار البيضاء ليس معزولًا عن طبيعة النموذج السياسي القائم في المغرب، حيث تُستَخدم المشاريع الكبرى، ذات الطابع الرمزي أو “الملكي”، كأدوات لإعادة تشكيل المجال الحضري بما يخدم صورة الدولة أكثر مما يخدم حقوق السكان. وهي مفارقة تكشف التناقض بين الخطاب الرسمي حول الحداثة والتنمية، والواقع الاجتماعي الذي يدفع الفئات الهشة ثمن هذه الخيارات.

اللافت أيضًا أن هذه العمليات تأتي في سياق استعداد المغرب لاحتضان تظاهرات رياضية دولية، ما يطرح سؤال الأولويات: هل تُختزل صورة الدولة في واجهات عمرانية ومسارات “مُنمَّقة”، ولو على حساب استقرار آلاف المواطنين؟ وهل تتحول الرياضة، مرة أخرى، إلى غطاء لتبرير قرارات قاسية تمس الحق في السكن والعمل؟

إن ملف “المحج الملكي” بالدار البيضاء، بما يحمله من هدم وترحيل وغموض قانوني، يعكس أزمة أعمق في علاقة السلطة بالمجتمع داخل المغرب. أزمة تُدار فيها الاختيارات الكبرى بمنطق الفرض، لا بمنطق التوافق، وتُقدَّم فيها “المنفعة العامة” كحقيقة جاهزة، لا كموضوع نقاش عمومي شفاف.

وفي ظل هذا الواقع، يبقى السؤال مفتوحًا: إلى متى ستظل الفئات الهشة في المغرب تدفع كلفة المشاريع الكبرى، دون حماية قانونية حقيقية، ودون صوت مسموع؟ سؤال لا يخص المغاربة وحدهم، بل يهم كل من يتابع، من الجزائر والمنطقة، مسار دولة تُراكم الإنجازات الشكلية، فيما تتسع الهوة بين السلطة والمجتمع.

رابط دائم : https://dzair.cc/3y6j نسخ

اقرأ أيضًا