السبت 14 مارس 2026

المغرب بين العطش الطاقوي والعزلة الإقليمية: المخزن في مأزق استراتيجي مفتوح

نُشر في:
المغرب بين العطش الطاقوي والعزلة الإقليمية: المخزن في مأزق استراتيجي مفتوح

يبدو أن النظام المغربي، الذي يُعرف سياسياً بمنظومة “المخزن”، يواجه في السنوات الأخيرة أزمة مركبة تتقاطع فيها الاختلالات الاقتصادية مع الإخفاقات الدبلوماسية. فمع تفاقم أزمة الطاقة وتراجع هامش المناورة الإقليمي، يجد المغرب نفسه أمام معادلة صعبة تكشف حدود النموذج الذي اعتمد عليه لعقود.

انهيار وهم الاستقلال الطاقوي

بدأت معالم الأزمة الطاقوية تتضح منذ توقف العمل بخط أنابيب الغاز خط أنابيب المغرب‑أوروبا الذي كان ينقل الغاز الجزائري إلى إسبانيا مروراً بالمغرب. هذا التطور لم يكن مجرد حادث تقني أو خلاف ظرفي، بل كشف هشاشة البنية الطاقوية للمملكة التي تعتمد بشكل كبير على مصادر خارجية.

فبعد توقف الخط، اضطرت الرباط إلى البحث عن حلول بديلة مكلفة، من بينها استيراد الغاز عبر إسبانيا من خلال نظام “التدفق العكسي”، وهي عملية لوجستية معقدة ترفع التكاليف بشكل كبير وتزيد الضغط على الميزانية العامة.

هذا الوضع يضع المغرب في موقع المستورد الضعيف في سوق الطاقة، حيث يتحمل الاقتصاد المحلي تبعات ارتفاع الأسعار العالمية دون امتلاك أدوات حقيقية للتحكم في الإمدادات أو الأسعار.

بدائل مكلفة ومشاريع مؤجلة

في محاولة للخروج من الأزمة، روّجت الرباط لعدة مشاريع طموحة، أبرزها مشروع خط أنابيب الغاز نيجيريا‑المغرب الذي يُقدم في الخطاب الرسمي باعتباره مشروعاً استراتيجياً سيغير خريطة الطاقة في غرب إفريقيا.

غير أن العديد من الخبراء يشككون في الجدوى الاقتصادية والسياسية لهذا المشروع الضخم، نظراً لتكلفته الهائلة وتعقيداته الجيوسياسية، فضلاً عن طول المسافة التي يفترض أن يقطعها عبر عدد كبير من الدول قبل أن يصل إلى الأراضي المغربية.

في الواقع، تبدو هذه المشاريع حتى الآن أقرب إلى رهانات بعيدة المدى منها إلى حلول عاجلة لأزمة الطاقة التي تضغط على الاقتصاد المغربي في الوقت الراهن.

فاتورة طاقة تشعل التضخم

النتيجة المباشرة لهذا الوضع هي ارتفاع كبير في فاتورة الطاقة، وهو ما انعكس على الأسعار الداخلية. فقد ساهمت تكاليف الاستيراد المرتفعة في تغذية موجة تضخم تضرب القدرة الشرائية للمواطنين، خصوصاً في ظل ركود اقتصادي عالمي يضاعف من صعوبة الوضع.

وبينما تحاول حكومة المخزن تسويق برامج الدعم الاجتماعي لتخفيف الضغط، يرى مراقبون أن جذور الأزمة أعمق بكثير من أن تُحل بإجراءات ظرفية، لأنها مرتبطة ببنية اقتصادية تعتمد بشكل كبير على الخارج في مجال حيوي مثل الطاقة.

دبلوماسية مأزومة

إلى جانب الأزمة الطاقوية، يواجه المغرب أيضاً تحديات متزايدة على الصعيد الدبلوماسي. فقرار التطبيع مع الكيان الصهيوني، الذي قدمته الرباط باعتباره خطوة نحو تعزيز التحالفات الدولية، لم يحقق المكاسب الاستراتيجية التي رُوج لها.

فبدلاً من تعزيز موقع المغرب إقليمياً، أثار هذا الخيار انتقادات واسعة داخل المنطقة، وفتح الباب أمام توترات سياسية إضافية في محيط إقليمي معقد.

وفي الوقت نفسه، يظل ملف الصحراء الغربية أحد أبرز مصادر الضغط الدبلوماسي، حيث يستنزف جزءاً كبيراً من الجهد السياسي المغربي ويجعل علاقات الرباط مع بعض جيرانها رهينة لهذا النزاع الطويل.

نظام تحت ضغط متعدد الجبهات

كل هذه العوامل مجتمعة تضع المخزن أمام مأزق استراتيجي حقيقي. فمن جهة، يعاني الاقتصاد من هشاشة بنيوية في قطاع الطاقة، ومن جهة أخرى يواجه النظام تحديات دبلوماسية تقلص من هامش المناورة الإقليمية.

وفي ظل هذه المعطيات، يبدو أن الخطاب الرسمي حول “الصعود الاقتصادي” و“الريادة الإقليمية” يصطدم بواقع أكثر تعقيداً، حيث تتراكم الأزمات في وقت واحد وتكشف حدود النموذج التنموي والسياسي القائم.

ويبقى السؤال المطروح اليوم في الأوساط السياسية والاقتصادية:
هل يستطيع النظام المغربي تجاوز هذا المأزق المزدوج عبر إصلاحات حقيقية تعيد ترتيب أولوياته الاستراتيجية، أم أن البلاد مقبلة على مرحلة أطول من الضغوط الاقتصادية والتوترات الإقليمية؟

رابط دائم : https://dzair.cc/atj0 نسخ

اقرأ أيضًا