السبت 31 جانفي 2026

المغرب يستخدم تهريب المخدرات كسلاح جيوسياسي: لماذا تعتبر الجزائر ما يحدث على حدودها الغربية عملاً عدائياً؟.. بقلم معمر قاني

نُشر في:
بقلم: معمر قاني
المغرب يستخدم تهريب المخدرات كسلاح جيوسياسي: لماذا تعتبر الجزائر ما يحدث على حدودها الغربية عملاً عدائياً؟.. بقلم معمر قاني

لم يعد ما يجري على الحدود الجزائرية-المغربية شأناً أمنياً عابراً أو ملفاً جنائياً تقليدياً، بل بات، وفق القراءة الرسمية الجزائرية، جزءاً من صراع أوسع تُستخدم فيه المخدرات كسلاح جيوسياسي لإضعاف الدولة والمجتمع. إعلان الجيش الوطني الشعبي القضاء على ثلاثة مهربين مسلحين يحملون الجنسية المغربية وتوقيف رابع في ولاية بشار ليس حدثاً معزولاً، بل حلقة جديدة في سلسلة عمليات تكشف طبيعة التهديد الذي تواجهه الجزائر على جبهتها الغربية.

الخطير في هذه العملية لا يكمن فقط في الكمية المحجوزة من الكيف المعالج أو في وجود السلاح، بل في دلالاتها السياسية والأمنية: مهربون مسلحون، شبكات منظمة، عبور متكرر للحدود، وصمت رسمي مغربي متواصل. هذه المعطيات مجتمعة تعزز القناعة الجزائرية بأن ما يحدث يتجاوز الجريمة المنظمة إلى مستوى الاستهداف الممنهج.

من التهريب إلى الاستنزاف الاستراتيجي

منذ سنوات، تحذر الجزائر من أن المخدرات لم تعد مجرد آفة اجتماعية، بل أداة تفكيك داخلي تستهدف الشباب، والأمن الصحي، والاستقرار الاجتماعي. تصريحات رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون التي وصف فيها الظاهرة بـ“الحرب غير المعلنة” لم تكن توصيفاً انفعالياً، بل إعلاناً عن انتقال الدولة إلى مقاربة أمن قومي، ترى في تدفق المخدرات شكلاً من أشكال العدوان غير التقليدي.

الأرقام الرسمية التي تعلنها وزارة الدفاع بشكل أسبوعي تفضح حجم الظاهرة: مئات الكيلوغرامات من الكيف المعالج، كميات من الكوكايين، ومئات آلاف الأقراص المهلوسة، معظمها قادم عبر الحدود الغربية. هذا التدفق المنتظم لا يمكن تفسيره بضعف الرقابة من الجانب المغربي فقط، بل بوجود بيئة إقليمية حاضنة، أو على الأقل متسامحة، مع هذا النشاط.

منظومة المخزن.. المسؤولية السياسية قبل الأمنية

في هذا السياق، يطرح السؤال نفسه بقوة: إلى أي حد تتحمل السلطات المغربية المسؤولية السياسية والأخلاقية عما يجري؟ فالصمت المتكرر، وغياب أي تنسيق أمني فعلي في ظل قرار الجزائر قطع العلاقات غير المجدية بعد العدوان المغربي السافر والمتكرر، واستمرار الشبكات نفسها في النشاط، كلها عناصر تدفع الجزائر إلى التشكيك في وجود إرادة حقيقية لوقف هذا النزيف.

بالنسبة للجزائر، لا يمكن فصل ملف المخدرات عن السياق الأشمل للعلاقات الثنائية المتدهورة، ولا عن ما تعتبره السلطات العليا في البلاد سلسلة من “الأعمال العدائية” التي راكمت التوتر، وانتهت بقطع العلاقات الدبلوماسية سنة 2021. وعليه، فإن أي اختراق للحدود، خاصة عندما يكون مسلحاً، يُقرأ مباشرة كمساس مباشر بالسيادة الوطنية.

الجيش الوطني الشعبي.. خط الدفاع الأول والأخير

الرسالة التي تبعث بها المؤسسة العسكرية الجزائرية من خلال هذه العمليات واضحة وحازمة: الحدود ليست منطقة رمادية، وأي محاولة لاختراقها، تحت أي غطاء، ستواجه بالقوة اللازمة. هذا التشدد يعكس قناعة راسخة لدى صانع القرار بأن التغاضي أو التهاون في هذا الملف يعني فتح الباب أمام فوضى أمنية واجتماعية طويلة الأمد.

وفي وقت تتصاعد فيه التحديات الإقليمية، من الساحل إلى المتوسط، تبدو الجزائر عازمة على تثبيت معادلة ردع واضحة على حدودها الغربية، قوامها أن أمن المجتمع خط أحمر، وأن المخدرات لم تعد جريمة صامتة، بل سلاحاً ستتم مواجهته كأي تهديد استراتيجي آخر.

خلاصة سياسية

ما جرى في بشار ليس مجرد عملية أمنية ناجحة، بل تعبير عن تحول عميق في العقيدة الأمنية الجزائرية: من المعالجة الظرفية إلى المواجهة الشاملة. وفي ظل استمرار تدفق المخدرات، وغياب مؤشرات التهدئة، يبدو أن الحدود الغربية ستظل ساحة اختبار لإرادة الدولة في الدفاع عن سيادتها، مهما كانت الكلفة السياسية أو الدبلوماسية.

رابط دائم : https://dzair.cc/pezi نسخ

اقرأ أيضًا