لم يكن لقاء رئيس الجمهورية الأخير مع الصحافة الوطنية مجرد جرد حساب روتيني، بل كان بمثابة “بيان أول” لمرحلة جديدة من الدبلوماسية الهجومية التي لا تقبل أنصاف الحلول. فبعد مرور يومين على تلك التصريحات المدوية، لا يزال صدى كلمة “لا تدفعونا للندم” يتردد في أروقة العواصم، واضعاً حداً لسنوات من ضبط النفس الجزائري تجاه مناورات “دويلة” اعتقدت واهمة أن صمت الكبار هو ضعف، وأن المال يمكن أن يشتري السيادة أو يغير مسار صناديق الاقتراع في قلعة الثوار.
لقد فجر الرئيس تبون غضباً كان يختمر في صدور الجزائريين، كاشفاً عن كواليس “الأزمات المبرمجة” التي حاولت أبوظبي تصديرها إلينا عبر بوابة الساحل جنوباً، أو عبر محاولات اختراق الجبهة الداخلية والتدخل في الانتخابات الرئاسية. هذا الكشف لم يكن لغرض التشهير فحسب، بل كان “إشهاراً” لسلاح السيادة؛ فالجزائر التي تطهر اقتصادها اليوم من النفوذ المشبوه لهذه الدويلة في قطاعات التبغ والموانئ والصناعات العسكرية، تعلن رسمياً أنها لا تقبل باستثمار يتخذ من “الشراكة” قناعاً للابتزاز السياسي أو غطاءً لغرف العمليات التخريبية التي تستهدف وحدة الأمة.
إن ما كشفه الرئيس حول محاولات التدخل في “صناديق الاقتراع” يضعنا أمام حقيقة مرعبة حول حجم الحقد الذي تكنه هذه الأطراف للتجربة الديمقراطية الجزائرية الناشئة. فأن تتحالف أموال “الدويلة” مع أذناب في الداخل للعبث بإرادة الشعب، هو اعتداء موصوف يتجاوز الأعراف الدبلوماسية إلى مربع العداء الصريح. لكن الرد الجزائري لم يكن كلامياً فقط، بل جاء عبر عمليات أمنية دقيقة أجهضت هذه المخططات في مهدها، لتعطي درساً قاسياً لكل من يظن أن أسوار الجزائر يمكن اختراقها بحفنة من الدولارات أو عبر “بيادق” مأجورة.
وفي الشق الاقتصادي، فإن القرار السيادي بإلغاء اتفاقية النقل الجوي وغلق الأجواء أمام هذه الدويلة، هو الترجمة الميدانية لمعادلة “المعاملة بالمثل” التي لم تعد مجرد شعار دبلوماسي، بل واقعاً جغرافياً سيجبر الطيران الإماراتي على دفع ثمن باهظ لمناوراته. ورداً على التلويح بالتحكيم الدولي، جاء الموقف الجزائري ليؤكد أن الدولة التي تتطلع لناتج محلي قدره 400 مليار دولار وتمتلك احتياطياً يتجاوز 70 ملياراً، لا ترهبها “فزاعات” القضاء الدولي؛ فالجزائر اليوم هي التي تضع قواعد اللعبة، ومن يتجرأ على تهديدها بالعدالة الدولية، سيكتشف أن ملفاته في “العبث الإقليمي” أضخم من أن تغطيها مكاتب المحاماة العالمية.
وعلى الصعيد العربي، كانت المفاضلة الاستراتيجية التي أجراها الرئيس تبون بين الرياض وأبوظبي بمثابة “ضربة معلم” دبلوماسية. فبتأكيده أن أمن السعودية هو أمن الجزائر، عزل الرئيس نظام التآمر الإماراتي عن محيطه الخليجي، مجهضاً محاولات “الدويلة” للاحتماء خلف مظلة العمل العربي المشترك أو تسويق صراعها مع الجزائر كخلاف بين ضفتي الوطن العربي. لقد أثبتت الجزائر أنها تعرف جيداً كيف تميز بين “الأشقاء” الذين يشاركوننا وحدة المصير، وبين “الوكلاء” الذين ينفذون أجندات غريبة صهيونية لا تخدم سوى أعداء الأمة واستقرارها.
إن المواجهة الحالية في منطقة الساحل تكشف بوضوح أن “الدويلة” قد اختارت الانتحار السياسي من خلال محاولة بائسة وفاشلة ومفضوحة لحصار الجزائر عبر تمويل المرتزقة وإذكاء الفتن على حدودنا الجنوبية. لكن فات هؤلاء أن الجزائر، بجيشها العتيد ودبلوماسيتها الرصينة، هي “قوة استقرار” لا يمكن تجاوزها، وأن محاولات إشغالها عن مسارها التنموي لن تزيدها إلا إصراراً على تنظيف محيطها من بؤر التوتر المفتعلة. لقد وضعت الجزائر الكرة في ملعب حكام أبوظبي: إما العودة إلى رشد الجغرافيا واحترام سيادة الدول، أو الاستمرار في طريق سيفضي بهم حتماً إلى “ندم” تاريخي أمام دولة أثبتت الأيام أنها لا تنسى جراحها، ولا تتسامح مع من يحاول العبث بأمن أبنائها تحت أي مسمى كان.
