الخميس 26 فيفري 2026

بعد سنوات من النهب المقنَّن.. اعتراف متأخر يفضح ظلم نزع الملكية في المغرب

نُشر في:
بعد سنوات من النهب المقنَّن.. اعتراف متأخر يفضح ظلم نزع الملكية في المغرب

لم يعد ممكناً إخفاء الحقيقة: قانون نزع الملكية في المغرب لم يكن يوماً آلية للمنفعة العامة، بل أداة ممنهجة لانتزاع أراضي المواطنين وتجريدهم من ممتلكاتهم لصالح مشاريع الدولة المخزنية وشبكات المصالح المرتبطة بها. والاعتراف الحكومي الأخير بوجود “ثغرات” ليس إصلاحاً، بل إقرار رسمي بسنوات طويلة من الظلم المقنّن.

لسنوات، عاشت آلاف الأسر تحت وطأة قرارات نزع ملكية قسرية، حُرمت بموجبها من أراضٍ ومساكن ومصادر رزق، مقابل تعويضات هزيلة أو مؤجلة، وفي إجراءات إدارية معقدة تُثقل كاهل المتضررين وتدفعهم إلى متاهات التقاضي. ومع ذلك، استمرت حكومات المخزن المتعاقبة في فرض القانون ذاته، غير آبهة بحجم المآسي الاجتماعية التي خلّفها، ما يكشف أن الانحياز للإدارة لم يكن خللاً عرضياً بل خياراً سياسياً واعياً.

التقارير الرسمية نفسها، وعلى رأسها تقارير وسيط المملكة، وثّقت مراراً اختلالات صارخة: تعويضات مجمدة لسنوات، قرارات حيازة قبل التسوية، وإجراءات تضع المواطن المغربي في موقع الطرف الأضعف دائماً. أي أن الدولة كانت تعلم بوضوح أن القانون مجحف، ومع ذلك استمرت في تطبيقه، ما يحوّل الاعتراف الحالي إلى إدانة مباشرة لسياسات المخزن العقارية.

الأخطر أن جوهر المنظومة لم يتغير: الإدارة تحتفظ بسلطة انتزاع الملكية بسرعة، بينما يُترك المتضرر وحيداً في مواجهة جهاز بيروقراطي وقضائي طويل ومعقد. فبمجرد إيداع التعويض لدى صندوق الإيداع والتدبير، تُنتزع الأرض فعلياً، حتى لو لم يقبل صاحبها القيمة أو لم يحصل عليها بعد. إنها معادلة فجة: الدولة تأخذ أولاً والمواطن يُطالب بحقوقه لاحقاً إن استطاع.

هذا الواقع يكشف أن نزع الملكية في المغرب لم يكن استثناءً أو انحرافاً، بل سياسة ممنهجة لتجميع العقار لفائدة مشاريع السلطة والمضاربين المرتبطين بها، على حساب الفلاحين وصغار الملاك وسكان الهامش. ومع كل حالة انتزاع، كانت تتسع فجوة الثقة بين المواطن والدولة، وتترسخ صورة إدارة ترى في الملكية الفردية مجرد عقبة ينبغي إزاحتها.

إن الاعتراف المتأخر بثغرات نزع الملكية لا يمحو سنوات النهب المقنن، بل يؤكدها. فحين تعترف الدولة بأن قانونها كان منحازاً، فهذا يعني أن آلاف المتضررين لم يكونوا مخطئين أو مبالغين، بل ضحايا منظومة قانونية صُممت أساساً لخدمة السلطة على حساب الحقوق. وفي ظل استمرار الاختلال البنيوي نفسه، يبقى نزع الملكية في المغرب عنواناً صارخاً لهيمنة المخزن على الأرض وانتزاعها من أصحابها باسم “المنفعة العامة”.

رابط دائم : https://dzair.cc/gxjq نسخ

اقرأ أيضًا