في الوقت الذي تتبجح فيه أبواق المخزن المغربي بشعارات الدولة الاجتماعية، تأتي التقارير الحقوقية من داخل المملكة لتعري واقعاً مريراً يغرق في سيول التهميش وأوحال الفساد، حيث يواجه المتضررون من الفيضانات الأخيرة شبح تكرار مأساة زلزال الأطلس الكبير التي لا تزال جراحها نازفة، وسط تحذيرات شديدة من تكريس سياسة الإقصاء وتعميق دائرة الفقر والحرمان التي تطوق أغلبية الشعب المغربي، إذ يغيب التخطيط والنجاعة في جبر الضرر بينما تخدم السياسات العمومية الحالية منطق الاحتكار وتكديس الثروات في يد أقلية مقربة من القصر، تاركة المواطن البسيط ليتحمل وحده تبعات الأزمات والسياسات الفاشلة التي أدت إلى غلاء فاحش وضرب للقدرة الشرائية، وهو ما يكشف بوضوح أن نظام المخزن يضع مصالح اللوبيات فوق حق الشعب في العيش الكريم، مما يضع السيادة الوطنية في مهب الريح أمام ارتهان كلي لمراكز القوى المالية.
ولم يتوقف القمع عند حدود الإهمال الاجتماعي، بل امتد ليشمل حصاراً أمنياً خانقاً ضد كل صوت يطالب بالعدالة، حيث رصدت الهيئات الحقوقية استمرار الاعتقالات والمحاكمات بسبب الرأي، وتلفيق التهم ضد الصحفيين ومدوني شباب جيل زد الذين باتوا في مرمى النيران الأمنية لمجرد رفعهم مطالب اجتماعية مشروعة، كما هو حال مغني الراب “الحاصل” وغيره من البطالين والنشطاء، في محاولة يائسة لخنق الاحتجاج السلمي، يوازيها تراجع خطير في حقوق النساء وصون كرامتهن، مع استمرار المتابعات التي تطال المناضلات مثل سعيدة العلمي وزينب خروبي، مما يعكس رغبة النظام في ترهيب المجتمع وضرب المكتسبات الحقوقية، في وقت تزداد فيه الانتهاكات داخل أماكن العمل وضعف شروط السلامة للعمال، وهو ما يعري زيف نموذج الواجهة الذي يحاول المخزن ترويجه للعالم.
ومن أخطر تجليات هذا السقوط هو التغلغل الصهيوني الذي بدأ يتفشى في مفاصل الدولة المغربية تحت مسمى التعاون العسكري والأمني والزراعي، حيث حذر الحقوقيون من أن هذا التطبيع لن يؤدي سوى إلى تحكم الصهيونية في مقدرات البلاد، مما يشكل تهديداً حقيقياً لمبدأ السيادة والأمن القومي الذي بدأ يتآكل في قطاعات الغذاء والطاقة وصولاً إلى التعليم والثقافة، وهو ما يفسر الإصرار على برامج تعليمية مشبوهة مثل المدرسة الرائدة التي كشفت عن سوء إدارة وتسيير، وساهمت في إضعاف المرفق العمومي وتكريس التسرب المدرسي.
