في تشريح دقيق لبنية “العقل المخزني” المهترئة، وضعت الأستاذة الجامعية والحقوقية المغربية لطيفة البوحسيني الأصبع على الداء العضال الذي ينخر جسد السلطوية في المغرب. فبينما يستنفر النظام أبواقه لرمي المغاربة بتهم “الخيانة” و”ضعف الوطنية” بسبب تضامنهم مع الشعوب المعتدى عليها (غزة وإيران)، يعود ليصفهم بـ”العدمية” فور توجيه نقد للاختلالات الداخلية، في مفارقة تكشف أن الهدف ليس “الوطنية”، بل “التطجين” الشامل.
ثنائية “تازة” و”غزة”: فخ التجزئة المفضوح
استنكرت البوحسيني تلك السردية الرسمية البئيسة التي تدعو المواطن للاهتمام بـ”تازة قبل غزة”، معتبرة إياها محاولة لعزل المغرب عن محيطه القومي والإنساني. لكن المضحك المبكي — حسب تدوينتها — هو أن هذا “الراعي الكريم” الذي يتباكى على قضايا الداخل (تازة) ليقمع التضامن الخارجي، هو نفسه من يرمي المواطن بتهمة “اللاوطنية” و”العدمية” حين يفتح ملفات الفساد، الرشوة، التعليم، والصحة في تلك المدن المهمشة نفسها.
الوطنية “الحقّة” مقابل “سردية القدر”
لقد فككت البوحسيني مفهوم “الوطنية المخزنية” التي يراد لها أن تكون “شيكاً على بياض” للنظام؛ حيث يُطلب من المواطن التسليم بقضاء النظام وقدره، واعتباره سلطة “لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها”.
إن الوطنية في نظر أبواق السلطة هي القبول بالانتهاكات، الصمت عن اعتقال المئات، وتزكية التشهير بالمناضلين. أما الوطنية “الحقة” — كما وصفتها البوحسيني — فهي القائمة على المواطنة، الكرامة، والعيش الكريم، وهي رؤية فلسفية شاملة لا تقبل التجزيء؛ فمن يناضل ضد الإمبريالية والصهيونية في الخارج، هو حتماً من يناضل ضد السلطوية والاستبداد في الداخل.
صناعة “الرعية”: ممنوع استعمال العقل!
بلهجة هجومية، كشفت الحقوقية المغربية عن جوهر الصراع: النظام لا يريد “مواطناً” يملك ملكة النقد أو يغار على كرامته، بل يريد “رعية” خاضعة تتماهى مع الراعي، وتحمد الله على “نعمة الأكسجين” بفضل كرمه الحاتمي. هذا “العماء” السلطوي يعجز عن استيعاب أن الدفاع عن الحرية هو منهج متكامل، وأن الشعوب الواعية لا يمكن برمجتها وفق “مربعات التفكير الأحادي”.
الحقيقة “حاصلة” في حلق الاستبداد
إن صرخة لطيفة البوحسيني هي إدانة صريحة لنظام يحاول مقايضة “التنفس” بـ”الصمت”، و”الوطنية” بـ”التبعية”. الرسالة واضحة وأصابت كبد الحقيقة: الاستبداد في الداخل هو الوجه الآخر للارتهان للخارج، ومن يمنعك من التضامن مع الشعوب المظلومة، هو نفسه من يسرق حقك في الكرامة والتعليم والعدالة داخل وطنك.
سقطت الأقنعة، وبات واضحاً أن “العدمي” الحقيقي هو من يظن أن الهراوة والتشهير يمكن أن يصنعا وطناً، أو أن “الرعايا” الصامتين يمكن أن يبنوا دولة.
